صحيح إن العراق الآن في تعاف مالي واضح تبعا لتعافي الريع النفطي. وصحيح أن محاربة داعش اعدت من الاولويات التي ينبغي تعبئة كامل الجهد الوطني لتصفية وجودها في العراق. وصحيح ايضا ان الحكومة الحالية وضعت حزمة من الاصلاحات لم يكن بينها تطوير القطاعات الخدمية المشكو منها شعبيا منذ سنين. ولكن مهما كانت الأسباب فليس من الصحيح ان يتوقف الاداء الحكومي عن فك الاحزمة عن القطاعات المتدهورة التي ينبغي ان يكون لها حضور في الأولويات وفي مقدمتها ازمة النقل.

فالاختناق المروري يتعاظم يوما بعد يوم بسبب التسارع في استيراد السيارات من كافة المناشيء الغث والسمين، في جزء من تجارة منفلتة، ليس للتخطيط فيها مكان، ربما لفهم غالب، أن التخطيط هو لصيق بالنظام الاشتراكي الذي يقف الحاكمون منه موقفا ايديولوجيا ثاريا لابد من اقامة مصدات له لإرضاء الاصدقاء! حتى أصبح هذا الاختناق واحدا من أبرز المنغصات في حياة المواطن اليومية. بل أصبحت لهذا الاختناق آثار اقتصادية سلبية خطيرة على الموطن الفرد والمجتمع وعلى الاقتصاد الوطني، تتجسد في هدر الوقت مما لم يكن لقانون الوقت اي معني في لجة المصالح الذاتية للكثير من المتنفذين في مركز القرار ممن يمتلكون شركات استيراد تتقدم على أية مصلحة وطنية عامة.

 ولئن كانت هناك افكار بشأن اقامة مشاريع بديلة لخطوط النقل القائمة التي لا تتحمل التوسيع من الناحية الموضوعية بسبب التخطيط السكني والتعداد السكاني الذي مضى عليه أكثر من عشرين سنة وتزايد معدلاته بشكل متسارع حتى أصبحت الطرق البرية تسمى اجتماعيا بطرق الموت، ومن بينها مثلا تنفيذ مشروع مترو بغداد وهو من المشاريع الحضارية الذي لو نفذ لكان من البدائل الكفيلة بحل ازمة الاختناق المروري ولهذا المشروع قصة لا يمكن شرحها في هذا المقال.

وبالنظر لاستمرار ازمة النقل وتعمقها، ما يتطلب مراجعة سياسة استيراد السيارات غير الإنتاجية، وفي نفس الوقت دراسة امكانيات تنفيذ مشروع النقل النهري (التكسي النهري) الذي اعلنت عنه وزارة النقل في التاسع من اذار 2015 وإطلاق اول رحلة تجريبية منه لتغطية خمس محطات رئيسية وسط العاصمة الذي تبين فيما بعد انها تصريحات اقتضتها المناسبة وان المشروع كما تنقل المصادر قد كلف 20 مليار دينار تبين فيما بعد انه مجرد زوبعة اعلامية لا وجود له على ارض الواقع سوى المطاعم الموجودة على ضفة الجادرية. ولكن أهمية المشروع تبقى قائمة  ليس فقط للتخفيف من مخاطر الاختناق فحسب بل ستكون له آفاق سياحية واعدة من الممكن ان يكون مردودها مصدرا من مصادر التمويل التي تتطلب التنوع والتنظيم والمراقبة لتكون من المشاريع الاقتصادية الفاعلة اذا ما اديرت بصورة كفوءة ومهنية، فضلا عن ان هذا المشروع سوف لن تكون له تكاليف باهضة تحول دون تنفيذه وان الادعاء بوجود تحد أمني يحول دون الاستمرار بهذا المشروع بسبب قرار من الجهات الأمنية بإيقاف هذا المشروع بكونه يمر من امام منشئات حيوية كالمنطقة الخضراء بما فيها المقار الحكومية  والسفارات الأجنبية وبضمنها السفارة الامريكية التي تقع على نهر دجلة مباشرة، مردود على أصحابه فمثل هذه الظروف موجودة في عهد النظام المقبور فهل المطلوب العودة لإجراءات ذلك النظام؟ وهل تعلمون بان سيارات التاكسي تقف بجوار الكرملين وان النهر المجاور له يستخدم للأغراض السياحية وان المواطنين الامريكان يحق لهم التنزه في حدائق البيت الأبيض؟  إن امانة بغداد ووزارة النقل مدعوتان لتفعيل هذا المشروع واتخاذ القرار المناسب واخذ الموضوع بعين الجدية والاهتمام. خاصة وان الموازنة الاتحادية ما زالت على طاولة الحكومة. ان استهداف نجاح هذا المشروع يتطلب ثلاث دعائم أساسية وهي وضع تشريعات خاصة بالنقل النهري في عدد من المحافظات ووضع الإجراءات الناظمة لتنفيذ حركة هذه الوسيلة المهمة وبالأساس وضع الدراسات اللوجستية وتحديد الجدوى الاقتصادية له بالاستفادة من التجارب العالمية ووضع التخصيصات المطلوبة للإنجاز.

عرض مقالات: