الأوضاع في بلادنا ما زالت مفتوحة على احتمالات عدة، فيما تفرز التطورات الأخيرة وتؤكد مجموعة قضايا، لعل في مقدمتها عجز القوى المهيمنة على مقدرات البلاد منذ ٢٠٠٥ حتى اليوم، عن الاستمرار في الحكم بمنهجها المعتمد ذاته، منهج التوافق والمحاصصة الطائفية – الاثنية. وتثبت هذه القوى كل يوم بل كل ساعة، فشلها في  تقديم حلول للمشاكل الكثيرة العويصة والمستعصية. 

ومعلوم ان حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي الراهنة ليست وليدة اللحظة، ولا هي  مرتبطة بمجرد العجزعن انفاذ الاستحقاقات الدستورية، بعد عشرة أشهر من اجراء انتخابات تشرين الأول ٢٠٢١. فاسبابها تراكمت على مدى ١٩ عاما من الازمات، التي كان يكمن وراءها دائما المنهج المحاصصاتي والطائفية السياسية . 

ويكمن جانب مهم آخر من الازمة حسب رأينا، في تفاقم أجواء عدم الثقة سواء بين القوى الحاكمة ذاتها وداخل “البيوت” الطائفية والقومية، او التي تتمظهر في الهوة المتعمقة بين غالبية الشعب التي تعيش المعاناة بكل تفاصيلها من ناحية، والأقلية الحاكمة المهيمنة المرفهة من ناحية ثانية. وهناك العديد من الشواهد والأدلة على ما نقول. 

بالنسبة الى الحالة الاولى هناك التسريبات التي يجري تداولها والتي غدا واضحا انها ليست مما يشك فيه، وراح  البعض يحاول تبريرها بالقول انها أجواء القوى المتنفذة وما تتداوله في مجالسها الخاصة، وان الكل من دون استثناء مشمول بها! 

وهذا القول ومدى صحته يرجعان الى القائلين به حصرا!  

اما الثانية فمظاهرها عديدة، ولعل اقربها انتفاضة تشرين وما حملته من معطيات ودلالات ورفض قاطع لمنظومة الحكم بمنهجها وبشخوصها. كذلك العزوف عن المشاركة في الانتخابات الأخيرة ومقاطعتها، التي تقرب نسبتها حسب بعض التقديرات من ٨٠ في المائة من المواطنين الذين يحق لهم الانتخاب. 

وبالعودة الى انعدام أجواء الثقة بين المتنفذين، رغم محاولات الترميم والترقيع التي تقوم بها جهات عدة، داخلية وخارجية، نشير الى ان لقاءات لا حصر لها عقدت سابقا ما بين هذه القوى، وتجلت نتيجتها المعروفة في ما نشهده اليوم من حالة تقاطع بيّنة، هي الأبرز ضمن الفترات السابقة جميعا. ولعل آخر اجتماع لها هو الذي عقد بحضور الرئاسات الثلاث والقضاء (ليس واضحا لماذا يحضر القضاء مثل هذه اللقاءات؟) عشية الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وصدرت عنه وثيقة حملت تواقيع الحضور. فاين هذه الوثيقة اليوم؟  

نشير الى ذلك في هذه الظروف التي تعاظم فيها السخط والتذمر الشعبي، وانطلقت من جديد الأصوات الداعية الى التهدئة والحوار والسعي للوصول الى عقد اجتماعي جديد ! وبغض النظر عن نوايا البعض، التي قد تكون طيبة ومخلصة لا تريد للاوضاع ان تنزلق الى ما هو اخطر، فان هذه الدعوات تثير العديد من التساؤلات: لماذا هي تتجدد ومعها ادعاء الحرص على الدولة وهيبتها والوطن والمواطن، في الأوقات التي تستعد الجماهير فيها الى أخذ زمام المبادرة لفرض ارادتها؟ أولم تعقد هذه القوى عشرات اللقاءات، وتوقع العديد من الوثائق والعهود ؟ وهل منعها أحد من ان تتحاور قبل الآن؟ 

لا شك ان عموم هذه الدعوات مبعثه  قلق وخوف قوى متنفذة من ان تحسم الجماهير الغاضبة والمحتجة الأمور بما لا تشتهي هذه القوى، وبما قد يفقدها  سلطتها ونفوذها ويوفر الامكانية الفعلية لفتح كل الملفات بما فيها ملفات الفساد، صغيرها وكبيرها. كذلك للتعامل الجدي مع مسألة السلاح المنفلت والمليشيات، ومع قضية الكشف عن قتلة المنتفضين، بجانب التوقف الجاد والمسؤول عند اجتياح داعش الإرهابي وجرائم سبايكر والصقلاوية وغيرها. 

ونخلص من هذا كله الى ان الزمن اليوم هو زمن الشعب، وزمن قوى الإصلاح الجدي والتغيير الشامل لتقول كلمتها الفصل، ولتفتح الصفحة الجديدة التي يستحقها العراقيون وينتظرونها بصبر نافد.  

عرض مقالات: