والبلاد تعيش ازمة قد يشتعل فتيلها ولن تبقي ولا تذر، بسبب الصراع على السلطة والمكاسب والمغانم بعيدا عن لغة حوار التي قد تنقذ ما تبقى، تذكّرت حكاية سمعتها عن أبي عندما كنت طفلا…

يُحكى أن أحدهم تقدّم لخطبة فتاةٍ، فوافق والدها لكن بشرط أن يكون مهرها تسوّله لمدة شهر في شوارع المدينة !

اندهش الخاطب من الشرط هذا، وانزعج، ورفض، لكنّه في آخر المطاف إنصاع وطلب منه أن يقلّل المدة. إلا ان الأب أصرّ على أن تكون شهراً كاملاً. 

في اليوم الأول ارتدى الرجل ملابس رثة وغطّى وجهه بنقاب كي لا يعرفه الناس، ثم دار على البيوت يتسوّل.. سمع الأب بذلك فرفض وقال له : من أولوية الشرط أن يكون وجهك سافراً للجميع. فأسفر عن وجهه للناس وأخذ يدور على البيوت خجلا في بادئ الأمر، أنهى اليوم الأول بشق النفس. وجاء اليوم الثاني فكان أخف وطأة عليه، وهكذا يوماً بعد يوم ذهب الحياء عنه، فصار يدور هنا وهناك غير عابئ بكلام الناس وعباراتهم الجارحة..

 اكتمل الشهر ولم يأتِ لبيت الفتاة التي خطبها، ومر شهران ولم يأتِ. بعث والد الفتاة وراءه ليستفسر منه حول مسألة الخطوبة، فأجابه: لا حاجة لي بابنتك، وجدت وسيلة تدر علي الربح والمال دون أدنى تعب ووجع رأس وألم قلب، لا أريد ابنتك بعد الآن !

استذكرت هذه الحكاية لا انتقاصاً من المتسوّلين أو استهانة بهم، ولكن للتأكيد على إن الحياء إذا ذهب عن وجه الإنسان وقلّ نبضه في الضمير والعقل، فانه لن يتورّع عن فعل أيّ شيء مهما كانت مرتبته واسمه ومعتقده. لأن الحياء وكما قال آباؤنا : قطرة إذا سقطت ذهب كل شيء معها!

وهذا ما نجده اليوم عند البعض ممن صعدوا في ليلة وضحاها الى كراسي المسؤولية وإدارة شؤون البلاد والعباد، حيث تركوا كل شيء والتفتوا إلى الفساد والخداع وعدم التورع عن فعل أي شيء رغم ما قيل ويقال عنهم. ورغم الصراع الدائر في ما بينهم، ومع إنهم يعرفون جيداً أن البلاد غرقت في الخراب والناس في هيجان من شدّة الفساد الذي نخر كل مفصل من مفاصل الدولة، و كلّ شيءٍ معطّل بسببهم، إلا إنهم متشبثون بالكراسي متمسكون بها مهما صار ويصير، وحدث وحتى لو حدث الأكثر من خراب وضياع بلد ونزيف دم !!

أتمنى أن لا تكون هذه الكراسي التي ستنخرها الأرضة في آخر المطاف، هي التي جعلت البعض يسد أذنيه عن صيحات الناس ومطالباتهم بإنقاذ البلاد والعباد من الضياع، ويصبح مثل ذلك الخاطب الذي ضيّع كل شيء بعدما ضاع الحياء ونزلت قطرته عن وجهه وضميره !

عرض مقالات: