المشهد الاول .... عصف هائل، ارتجاج كبير في مكونات المكان والبرهة الزمنية. ، اشتباك عارم _ لعناصر لغوية وبيئية وتاريخية _ عميق وعالي  ينشر التشكيل الجديد والبناء اللوني بأصواته الحديثة غير المعهودة للكيان اللغوي الجمالي الجديد ويفجر عناصره في كل الاتجاهات والابعاد يواصل صعودا مرئيا وغير مرئي .... تشوش يتجاوز الحواس الانسانية الى عموم حواس الوجود .... كون ٱخر يتشكل

 ويخلق بين يدي الشاعر الملهم الممزوج بتاريخ الانسان واحلامه وتطلعاته ودراياته الواسعة وخبراته الفذه ... والشاعر هذه المرة (مظفر النواب) القادم من ترافة ورخاء والوان الحياة

البغدادية ولهجتها السلسة المشغولة بعرس جمالياتها الخاص ، وغنائها البسيط الحلو  

   ( ربيتك زغيرون حسن )

 و ( على شواطي دجله مر )

 الى اصطخاب وعرامة  وتراجيدية تاريخ الجنوب العراقي  الملقى  وراء غبار  نسيان عقود السياسة والظلم والاهمال والذي ظل يقاومه طين وانسان وطبيعة المكان بمقومات جمال فطري وقوة حزن غناء يتحدى ويتحدى ببسالة القلب وفتنته ومحبته الشرسة 

المشهد الثاني ...  يغرس الشاعر كلتا يديه في ذلك الطين المشرئب الحزين وتمضي اصابعه المتحولة الى جذور لا تتوقف عن التوغل  الخالد نحو الاعماق الخالدة .. من هناك يلتقط الشاعر  وجوه النسيان ، ويجمع اضواءا واجراسا واصوتا  .. ينسجها في شبكة تتلألئ  بالوان لم تعرف من قبل ثم يواصل سفرعودته الاسطورية نحو الاعالي ليقف وحده _ فوق الماء _ منحيا بكل لطف وحنان الخالق ، ويبدا بتشكيل عالمه  المذهل الجديد في الماء الحي وعليه وبه ... بعد ذلك عشنا ولمسنا وتنفسنا لسنوات كل ذلك الوعي والجمال و الكون الجديد الباذخ المتحول الذاهب نحو المستقبل الذي جعل حياتنا حركة وتشوفا وتطلعا دائما لقيم وبشائر الحديث المتطور المعرفي الرائع   .

 الشبيه  بالمشهد الثالث ...  المحنة الدامية الدراماتيكية التي  يعيشها شعر العامية ومنذ سنوات  هو الانقلاب الفاجع على كل هذه المنجزات المعرفية والفنية العالية التي  حققتها قصيدة النواب  ثم  عززتها  محاولات  تجديدية باهرة  قدمتها  نصوص شعراء اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر

( طارق ياسين ، كريم محمد ،  علي الشباني ،رحيم الغالبي ) 

هذا الانقلاب المتخلف وهذه الردة التي تطغي اليوم تجلت فى  أمية سوداء ونصوص فارغة وصراخ لا يقول شيئا الا الزعيق الجاهل المتفجر  ... والا اماس وبرامج يتبناها الاعلام الرسمي والذي امتدت اليه اصابع السياسة الاعلامية العربية المشبوهة وخاصة السعودية لنرى ونسمع الفاجع الثقافي المروع والمقصود . ونشهد كيف تعد هذه السياسة الاعلامية معدي ومقدمي برامج  يشيعون ويثقفون بالامية .... مقدمو برامج شعرية لا يعرفون شيئا عن حقيقة وماهية ومعنى الشعر .. ومشكلاته وتطوره وٱفاق حداثته.

انها المحنة الحقيقية بحق.

عرض مقالات: