تعاني بلادنا أزمة خانقة في توفير الطاقة الكهربائية منذ ما يزيد على عقدين من السنين وأيا كانت الأسباب الموضوعية المؤثرة في هذه الإشكالية والتي تتذرع بها الحكومات المتعاقبة التي فشلت جميعها في حل هذا اللغز الا أن ضعف الإرادة والفساد هما السببان الرئيسيان اللذان يقفان وراء ديمومة هذا الفشل دون أن يرف لها جفن في دراسة التجربة العالمية والنظر إلى تجارب انتاج الطاقة الكهربائية من النفايات التي تأنف منها النفوس عالميا.

 ومع اننا لا نريد تحميل وزارة الكهرباء الاسباب الموضوعية التي أعاقت عملية النمو في مجال توليد الطاقة المتمثلة بالاحتلال والإرهاب وتداعياتهما على القاعدة التحتية ومشكلات الوقود مع وزارة النفط، لكننا لا ننسى ممارسات الفساد والهدر المالي في العديد من العقود وفي مختلف مستويات الوزارة، وأبرزها العقود المبرمة مع شركات جنرال إلكتريك وسيمنس التي تحولت إلى نكتة. لقد حان الوقت لمراجعة كافة المناهج والسياسات التي وضعتها وزارة الكهرباء التي ثبت فشلها والابتعاد عن عبث التصريحات بشأن خصخصة 70 المائة في السنوات القليلة القادمة عبر تجربة لم يثبت نجاحها والقاء تبعاتها على كاهل المواطن العراقي المستباح.

  ولنترك الحديث عن وزارة الكهرباء وعجزها المتراكم في تجاوز هذه الفشل المتتالي  لنتعرف على أفكار وزارة البيئة، ففي حديث خاص لوزير البيئة لجريدة المدى العراقية نشر مؤخرا توقف فيه عند مقترح مشروع تدوير النفايات واهميته في تحقيق التنمية المستدامة من خلال انتاج الطاقة الكهرباء والتي تعد مصدرا لا غنى عنه في كافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والبيئية، معتبرا ان الجهات ذات العلاقة بإنجاز هذا المشروع هي أمانة بغداد والمحافظات إضافة إلى محافظة بغداد، وقد اسمى هذا المشروع ب( مشروع قانون المركز الوطني لإدارة النفايات) وهذا القانون مرهون بموافقة مجلس الوزراء، ويعلل أهمية هذا المشروع في كونه يوفر فرص عمل لآلاف الشباب العاطل عن طريق الاستثمار فضلا عن أهميته الاقتصادية والحفاظ على البيئة وتجميل المدن،  ولكي يحقق هذا المشروع أهدافه فلابد من تعيين إدارة كفؤة وجدية في التنفيذ عبر انشاء معامل تتولى عملية فرز وتدوير النفايات وإنتاج الطاقة من خلال الغازات المنبعثة عن حرق النفايات بهدف انتاج الأسمدة العضوية التي تأتي من مخلفات الأطعمة للإفادة منها في الإنتاج الزراعي.  إن ميزة تدوير النفايات تتجسد في قلة التكاليف وتوفير الطاقة وتخليص المجتمع من تكدس النفايات الضارة بالصحة.

   إن هذا المشروع إذا ما تم الأخذ به وتفعيله بحرص وجدية فلا يسع المواطن العراقي المبتلى بانقطاع الكهرباء لفترات طويلة الا أن يرفع له القبعة. ولتأكيد صحة هذا المشروع من حيث المبدأ فلابد من الإشارة إلى التجارب العالمية في هذا الميدان، فمحطة مياشيما اليابانية تحرق 330 ألف طن من القمامة الصلبة لتنتج 32 ألف كيلو واط من الكهرباء سنويا. وفي  تركيا الدولة المجاورة فان محطة باليكاسير ذات المحركات الثمانية لها القدرة على التخلص من 1600 طن من النفايات يوميا  وتنتج 11312 ميكاواط،  وفي الصين فإن محطة لوجانج زن في مدينة شنغهاي التي تعتبر أكبر محطة في العالم في مجال تحويل النفايات الصلبة حيث تقوم بحرق مليون طن سنويا لتولد طاقة مقدارها 60 الف كيلوواط من الكهرباء وفي كندا تقوم محطة فانكوفر بحرق 260 الف طن من النفايات سنويا لتولد طاقة تكفي لـ160 الف بيت وتحقق البلدية ايرادا مقداره 8 ملايين دولار كندي في السنة،  بالإضافة لهذه الأمثلة فهناك تجارب في الشارقة والنمسا والعديد من دول اوروبا بالإضافة إلى مصر التي خاضت هذه التجربة منذ أكثر من عشر سنوات . 

إن الدولة مطالبة بالأخذ بكافة تلك المقاربات والتجارب وأية حلول أخرى ثبت نجاحها عبر وضع خطة قصيرة ومتوسطة المدى تشارك فيها الوزارات ذات العلاقة بما فيها وزارة التخطيط ووضع الدراسات المناسبة والملموسة ووضع التخصيصات الضرورية في الموازنات السنوية والابتعاد عن التصريحات المتكررة التي لا تسمن ولا تغني من جوع.

عرض مقالات: