ما أن تظهر أزمة ويتعايش معها الناس مجبرين، حتى تظهر أخرى وأخرى، وكأننا نعيش في معمل لتصنيع الأزمات!

فمنذ سقوط النظام الفاشي المقبور والذي كان حلماً يراودنا لنتنفس عبير الحرية والعيش الرغيد وحتى هذه اللحظة، لم نعشْ غير الأزمات المتلاحقة وتفشّي الفساد والخراب في كل شيء حتى النفوس والضمائر، بسبب الصراعات لأجل السيطرة على المغانم والأموال بشتى الصور!

حال البلد الآن كحال المدينة التي يتصارع فيها رجالات الكاوبوي فيما بينهم في الفيلم الأمريكي (من أجل حفنة من الدولارات)، وكما في الفيلم العربي (وقيدت ضدّ مجهول) الذي يحكي قصة فتىً ريفيٍّ تطوّع في سلك الشرطة ليلاقي أحداثاً غريبة توصله إلى الجنون، من خلال سرقات عديدة ومختلفة دون معرفة الجاني أو الكشف عن هوية السارق، ابتداءً من بيوت ومحلات وأسواق ومصارف حتى سرقة (هرم خوفو) ليقف تحت التعذيب أمام المحقق وهو يسأله: (الهرم فين يمحروس؟!) ولأنه لا يملك أي إجابة يعذّب حدّ الجنون، وتنتهي الأحداث بالعثور على الهرم لكن يُسرق (نهر النيل) وتقيّد كل الأحداث (ضدّ مجهول) وهذا دليل على أن المسؤولين لا يريدون كشف الحقائق كي لا يقعوا في المحذور ويقفوا محرجين أمام الناس!

أزمات البطالة والسكن والعشوائيات وانفلات السلاح وتردّي التربية والتعليم والرشوة والمحسوبية وأزمة الكهرباء والماء المالح وضياع الشباب والمخدّرات واستفحال الجريمة وتلكؤ الصناعة والزراعة والمرض المزمن للبطاقة التموينية وما تعانيه من نقص حادٍ في مفرداتها بشكل مستمر، وبعدها ارتفاع سعر الدولار، ليشتعل السوق ناراً وتتوّج بارتفاع سعر الطحين والزيت والبقوليات وغيرها، دون أدنى أي مراعاة للفقراء وذوي الدخل المحدود والكسبة وكيفية معيشتهم في ظل هذه الأزمات!

الغريب في الأمر أنهم تركوا كل شيء ولم يلتفتوا لهذه المعاناة المتفاقمة والسعي إلى حلّها أو التخفيف منها، وراحوا يتصارعون على الكراسي والمناصب تاركين الناس تضرب أخماسا واسداسا، دون أدنى شعور بالمسؤولية تجاههم!

إذا كنّا نحبّ الوطن والناس بشكل حقيقي وصادق وبإخلاص، علينا أن نرمي كل ما يعكّر صفو البلد جانباً ونمدّ أيادينا لبعض كي ننهض بالبلد ونرفع من شأنه أمنياً وعمرانياً وصناعياً وزراعياً وكل شيء، لا أن نترك الناس حيارى في معيشتهم ونظلّ في صراعاتنا سادرين!

عرض مقالات: