كتبنا في هذا الموضوع كثيراً ، وتحدّثنا اكثر ، وطرحنا الكثير من السلبيات والمقترحات والحلول للنهوض بالواقع المتدنّي جداً لأهم مفصل من مفاصل حياة الأجيال الحالية والقادمة ، لكن بلا جدوى ، لم يسمعنا أحدٌ وكأن في آذانهم وقراً ، أو انهم سمعونا ولم يعيروا أهتماما لما قلنا وكتبنا ، ولم يتحرك أحدٌ لوقف جزء بسيط من هذا التردّي الواضح والملموس في مجال التربية والتعليم. والسبب الرئيسي والأهم هو المحاصصة المقيتة والمصالح الفئوية الضيّقة والضمائر الميّتة التي تبحث عن الدولار أينما كان لترفع به نسبة أرصدتها، حتى بات المنصب الوزاري والخاص سلعة يتاجرون بها دون وازع من ضمير. علما أن مجال التربية والتعليم هو بوّابة المستقبل للجميع شعباً ووطناً. لكن مَنْ يسمع ، ومَنْ يقرأ ؟! والنفوس تحجّرت واعتلاها صدأ الخراب والفساد للأسف!

قبل أسبوع عاد أبناؤنا إلى الصفوف بعد عطلة قسرية دامت سنتين، كانوا فيها بين متابع الكترونياً ، وبين عازفٍ عن كل شيء. دخلوا الامتحانات وكانت بين حضورية والكترونية أيضاً ، نجح مَنْ نجح وفشل مَنْ فشل ، هل كان هذا صحيحاً ؟! بالتأكيد كلّا ، ما قيمة النجاح بلا أدنى معرفة ومعلومة؟ أكثرهم لم يعرفوا كتابة حتى أسمائهم بالشكل الصحيح إملائيا، فما فائدة النجاح المستمر والمعدّلات العالية جداً من دون اية معلومات ترفع من مستواهم العلمي والمعرفي ؟!

أغلب الطلّاب الذين وصلوا إلى الجامعات خلال هاتين السنتين وبالمعدّلات الهائلة، لم يستطيعوا فكّ الخط بالشكل الصحيح ، يخطئون إملائيا، واغلب الذين تخرّجوا من الجامعات منذ سنوات ولحد الآن اقتعدوا الرصيف بلا عمل ، علما ان من التلاميذ من لم يعرف أي شيء !

حين تخرّج ابني في الجامعة هذا العام جاءني قائلاً :ها قد حصلت على الشهادة الجامعية الثانية ( دبلوم ، بكالوريوس )أريدك أن تجد لي عملاً أو تعييناً لأستفيد من شهادتي في الأقل. وقفت أمامه صامتاً وحائراً والدموع تغسل وجنتيّ ، بماذا أجيبه ؟! والبلاد لا يسودها غير الفاسدين المتحاصصين اللامبالين بها وبناسها للأسف! وهاهو الآن يشتغل حارساً بشكل مؤقت. شاب في ريعان الشباب بعد أن درس وتعب واجتهد وحصل على شهادتين جامعيتين يقضي ليله ساهراً يحرس بيتاً ما ، ونهاره نائماً من شدّة النعاس، أيعقل هذا ؟! وأنا على يقين تام أن الكثيرين جدا من أبنائنا على شاكلته!

لهذا أقول: إذا بقي الحال على ما هو عليه من تردٍّ وخراب في التربية والتعليم، ومن محاصصة مقيتة ومصالح حزبية وفئوية ضيّقة في التعيينات وغيرها ، ومن استشراء للفساد لا أول له ولا آخر، فلن ينصلح حال البلد ، بل سيمضي من سيءٍ إلى أسوأ ومن تردٍّ إلى أكثر تردياً وخرابا!

اكرر قولي : انتبهوا إلى الشباب ، والأهم في التربية والتعليم، لأنهم مَنْ سيبني الوطن ، فانتشلوهم من الضياع في خضمّ صراعاتكم التي جرجرت الوطن إلى الخراب والحضيض !

عرض مقالات: