أعلنت وزارة الزراعة عن الخطة السنوية الشتوية مخفضة مساحة الأراضي المزروعة الى ٥٠ في المائة. والمعروف ان من يتحكم في تحديد المساحات المزروعة  في نهاية المطاف هو كمية المياه المتوفرة، والتي توفر المعطيات عنها وزارة الموارد المائية، التي صرح وزيرها اكثر من مرة بان العراق قادم على عطش وجفاف.  طبعا الا اذا حصلت تطورات ذات شأن، كأن تكون السنة رطبة رطبة، بمعنى هطول امطار تعوض النقص في مخزون المياه، الناجم عما قامت وتقوم به كل من تركيا وايران، اللتين هما المصدر الأساس لمياه الأنهر والروافد العراقية.

والمتوقع ارتباطا بهذه الازمة المفتوحة والمتواصلة منذ سنوات من دون حلول، ان يتراجع انتاج الحنطة في العراق وما يسوق الى وزارة التجارة التي  تستخدمه لتجهيز البطاقة التموينية بالطحين ، من حوالي ٥ مليون طن الى ٢ مليون طن، وهذا ما سيفرض الاستيراد من الخارج، وهو امر ليس بالميسر على الدوام .

وهذا ما سيؤدي الى مصاعب في تجهيز المواطنين بالطحين، كذلك في تجهيز الصناعات التي تعتمد عليه، مع الإشارة الى ان احتياجات العراق من الحنطة تبلغ حوالي ٤ ملايين ونصف المليون طن سنويا .

وبالإضافة الى تاثير ذلك على الامن الغذائي والسلة الغذائية للمواطنين العراقيين وأسعار موادها، فان تاثيره كبير وجسيم على حياة الفلاحين والمزارعين أنفسهم، الذين ينتظرون بفارغ الصبر حلول الموسم لزراعة الحنطة والشعير. وهذا ما سيوقع اعدادا أخرى منهم ضمن المجموعات التي تعاني العوز والفقر، بل والمزيد من تراكم الديون،  وقد يقود الى ارتفاع اعداد  من يتركون الزراعة ويهجرون الريف ويتوجهون الى المدن بحثا عن فرص عمل.  الامر الذي يتوجب ان تأخذه حكومة تصريف الاعمال بنظر الاعتبار، وان يبقى ضمن القضايا الأساسية بالنسبة لأية حكومة قادمة، “ توافقية “ كانت  ام “حكومة اغلبية” ، كذلك يفترض ان تحظى باهتمام مجلس النواب الجديد .

يحدث هذا في وقت  تتدهور فيه أوضاع عموم المواطنين، خاصة من الفقراء والكادحين وأصحاب الدخل المحدود، ومن الشغيلة غير المنتظمين بعمل دائم، ويمتد أيضا الى فئات وسطى، ولاسباب عدة منها البطالة وندرة فرص العمل والمحسوبية والمنسوبية وشراء الوظائف في مؤسسات الدولة، كذلك قلة المشمولين بالرعاية الاجتماعية، وحالات الفساد  وتحكم البعض فيها وتوظيفها لأغراض سياسية وانتخابية، وعدم وجود نظام شامل للتقاعد المجزي، اضافة الى  الارتفاع المستمر في الأسعار وبضمنها اسعار الخبز والأدوية.

وهذا الارتفاع في الأسعار ترجعه دراسات  الى أسباب عدة، منها ما يعتبره البعض أساسيا، وهو القرار غير السليم بتخفيض قيمة الدينار العراقي امام الدولار، والذي فشل في أن يبرر نفسه .

ان الزراعة واوضاعها من القضايا الأساسية التي يتوجب الاهتمام بها وجعلها ضمن الأولويات. وإذ لا تستقيم أمور الزراعة  مع شح المياه ، فهذا ما يحتاج الى معالجات آنية سريعة، وعلى المدى المتوسط والبعيد،  خاصة في شأن طريقة وآلية إدارة الملف مع دولتي المنبع، تركيا وايران، وان توضع مصالح العراق وشعبه  فوق كل مصلحة .

في فترات سابقة  استخف هذا المسؤول او ذاك في الدولة العراقية   بقضايا الزراعة  والمياه ، خصوصا عندما كانت ترتفع أسعار النفط ويكون البلد في بحبوحة مالية، حتى وصل الامر باحدهم الى القول: “ عدنا فلوس ونشتري كلشي “. الامر الذي ثبت للمرة الالف خطله وقصر نظر من اطلقه، وها ان بلدنا وغالبية شعبنا  وبضمنهم الفلاحون والمزارعون يدفعون الثمن .

عرض مقالات: