عندما كنا صغاراً كان جل اهتمامنا ينصب على كرة القدم، كنا فتياناً نزقين نحمل كل شقاوة الصغر، دائماً ننقسم الى أكثر من فريق لنمارس اللعبة بكل فرح، وكان معنا فتيان أكبر منا هم المسيطرون على تقسيم الفريق واختيار اللاعبين وإعطاء التعليمات في التمرين والمسابقات مع المناطق  الأخرى.

 كانت مناطقنا عبارة عن أحواز ــ الحوز هو الأرض اليابسة المحصورة بين نهرين ــ ، وكنا قبل السباقات نجري تمارين ومباريات في ما بيننا. كان الأولاد المسيطرون يتشاطرون علينا دائماً ، وإذا حدث بين اثنين منهم بعض الخلاف حول اختيار اللاعبين وآلية اللعب، نجد الساحة في اليوم التالي مليئة بالزجاج المتكسر والأشواك ، بحيث لا نستطيع اللعب إلا بعد تنظيفها، وإذا لعبنا بعدها يصاب أكثر من واحد منا بجروح وكدمات نتيجة المتبقي من الزجاج بين التراب. والأولاد الكبار كانوا كلما تخاصموا لأتفه سبب، نصبح نحن بين مطرقة أحدهم وسندان الآخر، وقد عانينا من هذه الخلافات كثيراً ودفعنا ثمنها دماً نتيجة الجروح والكدمات وبعض الأحيان حتى نُحرم من اللعب لفترة .

وحتى بعدما كبرنا وصرنا في صفوف متقدمة دراسياً لم تفارقنا هذه الخلافات أبداً ، كما لم تفارقنا الجروح والكدمات الجسدية والنفسية نتيجة عدم اتفاق الكبار في ما بينهم .

ودخلنا الحياة المهنية فلحقتنا هذه الأزمات التي تبتعد كلياً عن معاني الإيثار وحب التعاون بين الجميع، حيث  في كل مرة يظهر شخص يريد السيطرة والاستحواذ على كل شيء، فتدب الخلافات بينه وبين آخرين يريدون ما لا يريد فيدفع الباقون الثمن .

أذكر عندما كنا في سجن الرضوانية سيء الصيت عام 1992 كان المراقب يسيطر على القاعة وبيده كل شيء ، من توزيع الأكل وأماكن النوم ووقت الذهاب إلى الحمّام والتدخين ويشترط أن تكون له الحصّة الكبرى في كل شيء ، وهو الآمر الناهي. فإذا اختلف مع أحدنا نتيجة معارضة الآخر لسطوته وفساده، كنا نُحرم من التدخين والراحة وفي بعض الأحيان يشي بنا لننال عقاباً دون ذنب ارتكبناه.

اتذكرت تلك الاحداث وأنا أسمع وأشاهد وأقرأ وأعيش  ما يفعله سياسيونا الكبار حينما يختلفون على المصالح والمحاصصة ، إذ تجد البلاد تدخل في سلسلة من الأزمات والمشاكل التي يدفع الشعب ثمنها كل يوم ، وبها صار الفساد هو الآمر الناهي ، كذلك سفك الدماء دونما سبب سوى المطالبة بالحقوق وإبعاد الفساد عن وجه البلاد .

أتمنى أن يعي سياسيونا ما يحدث في البلاد من نزيف لم ينقطع وخراب أكل  وسيأكل الأخضر واليابس. وإذا ظلت الأمور كما هي فسيضيع كل شيء ويظل نزيف الدم جاريا ، ويؤول الوطن إلى الخراب التام والضياع الأبدي. عليهم أن ينتبهوا إلى أن الوطن للجميع والكل فيه متساوون في الحقوق والواجبات، وليس هناك أفضل من إنسان يضع الوطن والناس بين حنايا قلبه وروحه ليقدم لهما ما يليقً، لا أن يظل المثل السائر: لو ألعب ...لو أخرب الملعب ..!

عرض مقالات: