من الواضح في عموم الدراسات والأبحاث الاقتصادية المهتمة بالواقع الاقتصادي في العراق أن هذا البلد الذي يمر بدورات متموجة في حركته الاقتصادية منذ عشرات السنين بين تقدم وتراجع بسبب تركيزه على الواردات النفطية التي هي الأخرى تتذبذب بينم صعود ونزول بسبب تذبذب الاسعار متحولا إلى دولة ريعية تعتمد على مصدر رئيس في موارده المالية يقابله إهمال لقطاعات الانتاجية.

 إن طبيعة الدولة في العراق وشكل الاقتصاد واعتماده على الريوع النفطية بدلا من الانتاج المادي وخصوصا بعد عام 2003 حيث بلغت مساهمة القطاع النفطي في عام 2007 على سبيل المثال 86 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي الأمر الذي قاد إلى تحول وظيفة الدولة إلى التوزيع بدلا من الانتاج وهو الأمر الذي يبعد المشاركة المجتمعية الواسعة في هذه العملية ومن الوجهة السياسية فإن العملية السياسية الجارية في البلاد تستدعي القيام بتحالفات توفر قدرا من الاستقرار النسبي والشكلي.

  وبسبب من ريعية الاقتصاد فإن الاقتصاد العراقي يكون في الغالب رخوا  ومستبعدا لأية أهمية للصناعات التحويلية والزراعة ومعتمدا بشكل كبير على السياسات الاستيرادية التي تنتج مجتمعا استهلاكيا تتسيد فيه التجارة على حساب الانتاج المحلي الضروري لتغطية  الطلب،  وفي هذا الاقتصاد يتم توظيف العوائد المالية المتأتية من النفط بشكل مباشر في البناء والتشييد وتوزيع الرواتب والانشطة الخدماتية التي تشكل اكثر من 20 في المائة من الإنتاج المحلي الاجمالي واستيراد كل ما تحتاجه الدولة للأغراض الاستهلاكية وتنتشر فيه المضاربات المالية خارج نطاق الاستثمار في قطاعات الانتاج.

ومن المؤشرات المهمة لريعية الاقتصاد العراقي ما يعكسه دور الدولة في الإنفاق كمحرك اساسي للاقتصاد الوطني حتى بلغت مستويات الإنفاق أرقاما كبيرة.

فعلى سبيل المثال بلغ الانفاق في عام 2012 ما نسبته 79.3 من الناتج المحلي الإجمالي أي أن الإنفاق المتولد عن الإيرادات النفطية يشكل أربعة أخماس العملية الاقتصادية يذهب جله إلى رواتب وإنفاق تشغيلي وفي النهاية ينتهي بالاستهلاك *.

  والمؤشر الاخر ذو الأهمية الكبرى في الاقتصاد الريعي يتمثل في الفجوة الاجتماعية المتزايدة باستمرار وتعمق الفرز الطبقي وارتفاع نسب البطالة بمعدلات كبيرة وظهور الشرائح الاجتماعية المهمشة، فان 20 في المائة من السكان يستحوذون على 40 في المائة من الدخل الوطني، ولعل ذلك كان العامل المباشر في تفجر التناقضات الاجتماعية المكبوتة وتداعياتها في تفجر انتفاضة تشرين الشبابية المجيدة التي قضت مضاجع الطغمة الفاسدة وغيرت  تفاعلاتها من معالم العملية السياسية، ومن هنا يمكن القول ان الفقر هو النتيجة المنطقية لتحول الثروة من الفقراء كما ينبغي وتمركزها بيد حفنة قليلة من الأثرياء التي تفرزه بنية السلطة ومنظومة علاقات الانتاج السائدة، فعلى سبيل المثال فان نتائج المسح وتقويم الفقر في العراق لعامي 2017 و2018 الذي قام به الجهاز المركزي للإحصاء في وزارة التخطيط الذي تم بالتعاون مع البنك الدولي والإدارة التنفيذية لاستراتيجية التخفيف من الفقر أظهر ان متوسط إنفاق الفرد الشهري بلغ 253 ألف دينار بسعر السوق.

ومن ذلك كله يمكن الاستنتاج أن التحول من الاقتصاد الريعي يتطلب رسم سياسات اقتصادية وفق طريقة ومنهج مختلف يقوم على أساس رسم خطط اقتصادية استراتيجية تتمثل بتنويع الاقتصاد الوطني من خلال توظيف الموارد المالية النفطية في إعادة بناء قطاعات الانتاج المادي وتنشيط النظام الضريبي وتنقيته من ظواهر الفساد والأساليب القديمة وفق خارطة إصلاح اقتصادي حقيقي ينطلق من الاحتياجات الفعلية والموضوعية للمجتمع المتمثلة بتحقيق التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية في توزيع الثروة والتفاعل المتكافيء مع الاقتصادات الدولية والاستفادة المثلى من إيجابيات العولمة وإيجاد توازن حقيقي بين القطاعين العام والخاص بعيدا عما يشاع من قطاع  عام خاسر وقطاع خاص رابح.

  • المصدر – د. صالح ياسر - النظام الريعي وبناء الديمقراطية الثنائية المستحيلة حالة العراق نشر مؤسسة فريدريش ايبرت مكتب الأردن والعراق تشرين الثاني 2013 دراسة منشورة على الانترنيت.
عرض مقالات: