مكان ولا في الأحلام، هكذا قال لي صديقي، وهو يصف منزلا لأحد الحيتان العراقية في لندن، فكل شيء يدار بنظام (الريموت الكونترول)، قيمته لا يمكن أن يعد أصفارها الفلكية، فقراء مثلنا.

حديث صديقي أخذني إلى المقارنة مع عاملات الطابوق، خصوصا من الأرامل والمطلقات، في أطراف بغداد وغيرها، وهن منحنيات من التعب، وقد احرقت الشمس وجوههن، ويشترك معهن كل بقية العائلة من الأطفال الذين تركوا المدرسة، كي يتدبرن لقمتهن من الأجور القليلة التي يحصلن عليها، وهن يعشن في ظروف صعبة مزرية، حيث لا يوجد لديهن سكن ملائم، ولا تتوفر لهن أي خدمات صحية وهن يعملن تحت غيم السموم التي تنفذها (كور المعامل)، بالإضافة إلى فقدان الخدمات الأخرى.

هؤلاء، أقصد فئة العاملات وغيرهن من الفئات المسحوقة، لا تجد من يدافع عنها من فئات الحيتان التي تتنافس على الحكم في الانتخابات، فهي فئات منسية، اللهم سوى بالخطب والدعوات والابتهالات، التي يكررونها، من باب الضحك على الذقون.

ويظهر الحيتان الذين ينفثون سمومهم مثل، كور معامل الطابوق، في الفضائيات، لشتم ثوار انتفاضة تشرين والتلميح أن حركتهم وإسقاط حكومة المجرم عادل عبد المهدي، أتت ضمن مخطط لمعاداة العراق وفرض التطبيع مع إسرائيل. وهم يعرفون، أن من يدعي الإخلاص لقضيته الوطنية والعربية يجب أن يكون مخلصا حقا لأبناء جلدته، نظيفا، ولا يستمرئ نهب أموال شعبه، ولا يقتل أبناء وطنه، أن لا يجعل من الوطن الحديقة الخلفية لدول الجوار بحجة أنها تعطي النصيحة للحكم الفتي.

إن من يعمل على تدمير البلاد والعباد هو الذي يركض وراء التطبيع، كي يتم الإعلان رسميا عن المخفي للرابطة غير المقدسة بين فئات الحكم وحيتان الفساد والرأسمال المالي الدولي.

إن عاملات الطابوق وأطفالهن الذين تمتهن طفولتهم والمحرومات من أبسط حقوق الانسان، وكل الذين يعانون من الفقر والجوع وقلة الخدمات والأمان، ويهمهم مستقبل الوطن، سيكونون لهيب وراية الانتفاضة المقبلة، بوجه طغاة اليوم وغدا.

لقد جرب رجال الحكم، كل أسلحتهم المحرمة والمحللة.. قتلوا.. جرحوا.. اعتقلوا.. وغيبوا.. رشوا.. ما شاء لهم، بفضل نوم القضاء وغياب سلطة الدولة. ولكن كل ذلك لم يخف الناس ولم تنطفيء جذوة الانتفاضة، وجذر المقاومة للفساد والفاسدين، بدليل إحياء الذكرى الثانية للانتفاضة ليس في العراق فقط، بل في كل أرجاء العالم. ولم تسقط الرايات أو تنكسر، وأن لعلع رصاص السلطات كعادته، وجرى ضرب المتظاهرين في عدة مواقع.

وكما يقول المثل البغدادي القديم:

باب بغداد تنسد، وحلوك الناس ما تنسد

عرض مقالات: