يقول الكاتب هادي العلوي إن المتصوفة، وخصوصا من التزم المعارضة منهم، يرون أنه لا يجوز العمل مع السلطان والقبض منه وخدمته، بل بأدنى مشاركة له في أدنى أمر، وأعدوا التفرج على موكب السلطان داخلا في هذا المحظور.

 هذا الواقع يدل على رفضهم سلطانين: القهر والفساد اللذان نصبا نفسيهما كآلهة تحيي وتميت. لكن أين متصوفة اليوم - كما يعتقد - عن متصوفة الأمس، فهم يقدمون أنفسهم هكذا مزنرين بالورع والتقوى، وهم ليسوا وعاظا فقط، بل حاكمون أيضا، ولكل واحد منهم إمارته المزدهرة.

ففي عراق اليوم وبتوقيت المنطقة الخضراء، نراهم يظهرون في التلفاز وهم يتحدثون عن تلبية مطالب الناس، ويبدون متأثرين إلى حد البكاء إلى أن تخضل لحاهم المصبوغة والمرتبة حسب التدرج اللوني، وفي النهار يلقون علينا المواعظ، ويؤشرون بأصابعهم التي تثقلها الخواتم إلى مواطن الظلم والفساد، حتى نظن كل الظن أن الحق ظهر، وأن القيامة قامت، ولكنهم في الليل، حين نغفوا - نحن المساكين - وتسكننا الأحلام الوردية، يسبحون في سرقة العباد وتنظيم حرق البيوت والمقرات والمحلات والبساتين والاغتيالات والخطف.

ولهؤلاء غلمان، وهم أدواتهم في التنفيذ لأنهم (يخجلون) عن القيام بما يشوه صورتهم في العلن، ويجري التستر على غلمانهم باسم القانون أو بدونه، أو تهريبهم كبضاعة مغشوشة لبلدان الجوار. فهم الذين ضربوا مؤخرا مقر الحزب الشيوعي العراقي في النجف، ومركز الرافدين للدراسات في النجف أيضا، وهم الذين قتلوا شباب الانتفاضة واغتالوا واختطفوا الكثير.. وهم في كل يوم يصعبون بناء البيت العراقي بكثرة سفكهم الدماء، ويجعلون قانون الغابة مشرعا كالسيف على الرقاب. 

ولو قرأ هؤلاء القتلة وأدواتهم التاريخ جيدا، لعرفوا أن الفكر لن يموت بموت الجسد، وأن الجريمة سلاح الضعفاء، وكل ظلاميتهم لا يمكنها إثبات أن ضوء المعرفة والحقيقة يمكن جمعه بالشباك، ولكن من (يقرأ أو يكتب) أو يتعظ من عبر التاريخ.

قد يبدون بنظر البعض أقوياء، إلا أنهم عاجزون عن مقارعة الحجة بالحجة، وكل همهم هو إلغاء الآخر وإسكات أي صوت معارض، ولا يوقفهم واعز أو ضمير، لكنهم في اللحظة التي تزلزل الأرض زلزالها، سيهربون كالفئران من السفينة الغارقة، كما حصل مع أوباش الحرس القومي في 1963 الذين خلعوا بدلاتهم الكاكية وفروا بملابسهم الداخلية، بعد أن رموا رشاشات (بورسعيد) المصرية، وتكررت أيضا بعد 2003، وان غدا لناظره قريب!

عرض مقالات: