توالت في الفترة الأخيرة تصريحات جهات حكومية رسمية وقوى متنفذة متحكمة  بالقرار السياسي والاقتصادي والأمني منذ ٢٠٠٥، عن الفوضى المحتملة في حال تأجيل انتخابات تشرين الأول المقبل او مقاطعتها. بل ان البعض خيّر المواطنيين بين التغيير عبر انتخابات تشرين، او الذهاب الى الاقتتال الداخلي  والفوضى .

قد يكون هذا وغيره رد فعل على مواقف بعض القوى والأحزاب  التي أعلنت مقاطعتها للانتخابات. وعلى تعدد ما أعلن المقاطعون من أسباب وعوامل تقف خلف موقفهم، فانهم كادوا يجمعون  على ان الامر الهام يتجلى في عدم توفر بيئة  انتخابية سياسية امنية مناسبة لاجرائها في موعدها المعلن، فضلا عن التأكيد ان المضي فيها في الظروف الراهنة لن يحقق التغيير المنشود، وهو الهدف الأساس لمطالبة المنتفضين والمحتجين والحراك الجماهيري وعموم أبناء الشعب باجراء انتخابات مبكرة. ذلك انه بالمماطلة والتسويف وبتشريع قانون انتخابات غير عادل ولا منصف وتشكيل مفوضية بمقاسات المحاصصة، جرى اجهاض وتقويض إمكانية الافادة من الانتخابات كأداة دستورية لفرض إرادة الشعب وتحقيق التغيير، بدلا من إدامة المنهج المرفوض ذاته وإبقاء الشخوص أنفسهم، وهم المثقلون بالفساد والفشل على كل صعيد .

ويلفت الانتباه ان أوساطا مختلفة راحت تناشد القوى المقاطعة العدول عن موقفها والمشاركة في الانتخابات، بدعوى ان لا بديل عن ذلك، لكن هذه الاوساط بما فيها الرسمية اكتفت بالمناشدة المجردة، ولم تتمعن في دوافع المقاطعة او تتخذ إجراءات تستجيب لمطالب المقاطعين، وهي مطالب عامة لا تخصهم وحدهم . علما ان العديد من القوى المقاطعة  حذرت منذ وقت طويل من مخاطر بقاء الأوضاع على ما هي عليه، ومن امكانية حصول تدهور اشد يقود الى عدم الاستقرار والى حالة شديدة من الاستعصاء، ويدفع الى مزيد من التذمر والسخط ، اللذين يمكن ان يأخذا اشكالا يصعب التكهن بها وبنتائجها.

ان غلق ابواب التغيير عبر الانتخابات يحمل  الكثير من التعقيدات والاشكالات، لكن من المسؤول عن ذلك ؟!

من الواضح ان المطالبين بالحقوق والمتطلعين الى حياة افضل والى تحقيق امن البلد واستقراره وسيادته، وإيقاف التدخل الخارجي في شؤونه ووقف عبث السلاح المنفلت، والضغط باتجاه وقف الفساد واهدار المال العام والعمل على توظيف إيرادات البلد لانصاف الفقراء والمحرومين وتحقيق التنمية .. ان هؤلاء ليسوا هم المسؤولون عن حالة الانسداد والفوضى ان حصلت .

ويتوجب القول أيضا ان من يحمل السلاح المنفلت ويستخدمه لفرض مواقف وإرادات سياسية، ومن يفرض ارادته على الدولة  ومؤسساتها والقضاء، هو من يضعف الدولة وهيبتها ويشيع حالة الفوضى، وليس المواطنين المحتجين والمنتفضين السلميين  المطالبين بحقوقهم، التي كفلها  لهم الدستور النافذ .

ان استمرار الوضع الراهن المثقل بالأزمات، والإصرار على النهج الخاطي المدمر ذاته، وغلق الأبواب امام التغيير السلمي، هو ما يقود الى الفوضى، وليس خيار مقاطعة الانتخابات الذي هو مثل  خيار  المشاركة ممارسة ديمقراطية دستورية، خصوصا وان سواد المقاطعين لا يرفضون العملية الانتخابية بحد ذاتها، بل ان جلّ همهم هو استكمال الشروط التي تضمن اجراء انتخابات حرة ونزيهة، تتأمّن فيها الحرية للناخب والمرشح،  وتكون تعبيرا صادقا عن إرادة الشعب وتطلعاته  .

وأخيرا نقول ان بقاء الأمور على ما هي عليه هو الفوضى  بعينها، الآن وفي المستقبل .

عرض مقالات: