فيما يقترب موعد الانتخابات البرلمانية، تزداد وتكبر التساؤلات في شانها وعم يمكن ان تسفر إن هي جرت في موعدها المعلن في تشرين الاول القادم، وما اذا ستكون بالفعل نزيهة وعادلة وتتوفر لها حقا بيئة سياسية وامنية وتشريعية وتنظيمية مناسبة، كما يعلن ويصرَح ؟!

بادي ذي بدء هي لم تعد انتخابات مبكرة، كما طالب بها المنتفضون والجماهير الواسعة. فقد ماطل المتنفذون وسوّفوا حتى حُدد لها موعد بعد سنتين من انطلاق انتفاضة تشرين المجيدة، وبعد ان صاغت لها الكتل السياسية المعروفة قانونا مفصلا على مقاساتها هي وضامنا لنفوذها، بل انها تقاسمت حتى الدوائر التي جاء تشكيلها اعتباطيا ومحملا بالمشاكل والتعقيدات. كذلك تشكيل مفوضية للانتخابات التي اشرت التطورات الأخيرة انها هي ايضا ليست بمعزل عن الكتل المتنفذة وتأثيراتها، رغم تشكيلها من قضاة يفترض انهم مستقلون. فهذه التشكيلة الجديدة للمفوضية لها ما لها وعليها ما عليها، خاصة لجهة تراكم الخبرة وانسيابية العمل ومدى التشاور مع الأحزاب السياسية والمرشحين وذوي الخبرة، كذلك الامكانية الفعلية للمفوضية على النهوض بواجبها، سواء في المركز او في الفروع.

 وفي هذه المرة ايضا وفي وقت مبكر طفت على السطح ظواهر لا تتعلق بالمال السياسي فقط، بل ان هناك حالات التسقيط الجارية والصراع والتدافع، وشمل ذلك جميع الكتل المتنافسة، داخلها وفي ما بينها وان بدرجات متفاوتة، فيما قرقعة السلاح تعلو ويصل الامر الى حد اطلاق تهديدات لمرشحات ومرشحين، ومنعهم من القيام بأية دعاية، وقبل ذلك محاولة فرض عدم الترشح عليهم.

حتى الحكومة التي تقول بحرصها على توفير مستلزمات إجراء الانتخابات في موعدها المعلن وتأمين ظروف نجاحها، لم تتخذ ما يكفي من خطوات للكشف عن قتلة المتظاهرين والناشطين وأصحاب الرأي ومن يقف وراءهم، فيما استمرت حتى الآن عمليات الخطف والاغتيال والخطف والتغييب القسري.

كما بقيت إجراءات مكافحة الفساد والفاسدين لا تلامس الا ما خف وزنه من ملفات الفساد، الذي ظلت حيتانه تصول وتجول حتى طالت اذرع اخطبوطه وامتدت الى مرافق بينها مركز القرار المتنفذ.

كذلك لم تُشع الإجراءات المتخذة الاطمئنان الى ما يحول دون حصول التزوير، الذي تتوقع مصادر وتقارير ان يحدث على نطاق واسع وتحت تهديد السلاح المنفلت.

وفيما تتواصل دعوات رسمية وغير رسمية لاجراء الانتخابات في موعدها، فان إيقاعها يتباطأ ويتعثر على خلفية أزمات متلاطمة في اطار الازمة البنيوية العامة الشاملة، التي تعصف تداعياتها بالشعب وفقرائه وكادحيه وعموم ذوي الدخل المحدود. ومن مؤشرات ذلك هذا التفاقم للأزمة الاقتصادية والمعيشية، وارتفاع معدلات الجوع والمرض والفقر والبطالة والامية، وتصاعد ازمتي الكهرباء والماء.

وإذ نتحدث عن الانتخابات فلابد من القول ان بعض القوى والكتل، التي ماطلت وسوّفت لمنع اجرائها في موعدها غداة انتفاضة تشرين وعلى وفق شروطها وغاياتها، وبعد ان حالت دون ان تكون الانتخابات النزيهة والعادلة احد روافع التغيير المطلوب، يحلو لها اليوم ان تردد ان اجراء الانتخابات هو مطلب الانتفاضة وجماهير الشعب، ولا يمكن التخلي عنه؟! فياله من كذب ونفاق سياسي ينطبق عليه المثل القائل “يقتل القتيل ويمشي في جنازته”.

وبغض النظر عن مبررات ودوافع الداعين الى مقاطعة الانتخابات من جانب، والمتحمسين الى المشاركة فيها من جانب آخر، فان الحقائق على الأرض وما اتخذ من إجراءات حتى الان، لا يحفز على مشاركة واسعة فيها، وقد تأتي نسبة المشاركين كما تؤشر جهات عدة حتى دون تلك التي تحققت في انتخابات ٢٠١٨.

وتلك إشكالية كبرى ذات علاقة بمستقبل الديمقراطية في العراق، وباستقرار البلد وآفاقه، ما يتطلب الاقدام على مقاربات متعددة، جذرية شاملة وليست ترقيعية وشكلية، وفي الأساس والجوهر منها موقف المواطنين ووعيهم لدورهم، فهم وحدهم من يستطيع كسر احتكار السلطة، وتغيير موازين القوى لصالح قوى التغيير، وإخراج البلد من دوامة الازمات.

عرض مقالات: