بعد كل تشكيلة حكومية منبثقة عن العمليات الانتخابية  تنشغل الماكنة الاعلامية الحكومية الرسمية  كما تنشغل وسائل الاعلام الأخرى بتصريحات رئيس الحكومة حول إصلاح اقتصادي كفيل بشفاء الاقتصاد العراقي من أمراضه المزمنة، وبنفس المعنى ينشغل البرلمانيون بمطارحات حامية تمنح وعودا مجانية للشرائح الاجتماعية المكتوية بالخيبات السابقة، لكن هذه البرامج الإصلاحية ومهما كانت حبكتها البلاغية  لم تكن بمعزل عن نصائح المؤسسات المالية الدولية التي تعايشت مع السياسات الاقتصادية للدولة  دون ان تخرج الاقتصاد  من حالة الركود.

إن أية عملية للإصلاح الاقتصادي تتجلى في البحث الجاد عن عملية تنمية اقتصادية مستدامة تعيد للاقتصاد عافيته المفقودة وتنتصر للشرائح الاجتماعية الأشد فقرا ليس بصيغة أوراق اقتصادية ملونة تحمل هذه الشرائح عبء إصلاح اقتصادي مفترض، والتخطيط لوضع برنامج اقتصادي واقعي من خلال استغلال الموارد المتاحة سواء كانت طبيعية أو بشرية وتحديد الأولويات واستخدام النظم والبرامج الفاعلة بالمشاركة الشعبية الواسعة في تنفيذ ومراقبة هذه البرامج.

ومن أولويات السياسة الاصلاحية إعادة النظر في البنية الاقتصادية الراهنة التي تتجلى في أحادية الاقتصاد المقترنة بإهمال واضح في تنمية القطاعات الانتاجية السلعية الأساسية المتزامنة مع توسع مفرط في تطبيق سياسة استيرادية أدت إلى اعادة تصدير رأس المال المتأتي عن طريق البترول بشكل تهريب للعملة الصعبة والاحتفاظ بها في المصارف الأجنبية واستثمار القسم الاخر من هذه الأموال خارج العراق.

والمهمة الأرأس أمام أية حكومة مستقبلية تتمثل بعملية إعادة تكوين الناتج المحلي الاجمالي الذي يعتمد في الوقت الحاضر بنسبة 60 بالمائة على الإيرادات النفطية في وقت يتراجع دور القطاعين الأساسيين الصناعة والزراعة اللذين لا يزيد نصيبهما من الانفاق العام في موازنة 2021 عن 1،9 في المائة  بالإضافة إلى القطاعات الأخرى غير النفطية في تكوين هذا الناتج فلم تعد الصناعة عنصرا بارزا في هذا الدور لأسباب عديدة منها ما يتعلق بسوء إدارة الدولة، علما بأن  الصناعة كانت تشكل  في الربع الأخير من القرن العشرين 10 بالمائة من الناتج  المحلي الإجمالي، بينما لا تشكل الآن سوى 2،5 بالمائة من هذا الانتاج  وخاصة الصناعة التحويلية التي لها دور أكبر  يتعلق بالأمن والاستقرار الاجتماعي، ولا تقل الزراعة شأنا في إعادة تكوين الناتج المحلي الإجمالي، فقد كانت الزراعة في خمسينات القرن الماضي تشكل 35 بالمائة من هذا الناتج إلا أن نسبة مساهمتها الآن لاتزيد عن (3) بالمائة مما يستدعي إيلاء الاهتمام الجدي في هذا القطاع بتوافر إرادة حقيقية في إحداث ثورة خضراء من خلال دعم المزارعين والاهتمام بالريف العراقي من النواحي الخدمية والصحية والتعليمية سبيلا للحد من الهجرة إلى المدينة وترك الريف يتاكل شيئا فشيئا، وتفعيل المبادرات الزراعية عبر وضع خطة زراعية واقعية تحقق الأمن الغذائي عبر تسهيل تقديم القروض الزراعية ودعم السوق العراقية عبر الإجراءات الحمائية.

إن الانتصار لهذين القطاعين لا يمكن تحقيقه إلا من خلال تنشيط الاستثمار في القطاعين العام والخاص وتشجيع الاستثمار الاجنبي وخاصة العربي بالتنسيق بين السياستين المالية والنقدية وتفعيل دور الجهاز المصرفي الحكومي والخاص في دعم عملية التنمية الاقتصادية وإعادة النظر بالسياسة الاستيرادية المبنية على أساس حاجة السوق العراقية ونوعية البضائع المستوردة وانقاذ السوق من البضائع الرديئة.

ولكي يمكن تحقيق معدلات نمو متطورة في هذه القطاعات لابد من إيلاء العنصر البشري الاهتمام الكافي من أجل بناء قوة انتاجية بشرية قادرة على تشغيل هذه القطاع بمستوى عال، وهذا يتطلب وضع خطة تشغيلية علمية تعالج مشكلة البطالة من خلال تطوير  مهارات العاملين ورفع مستوى التعليم بكافة مراحله وإعادة النظر بالمناهج التعليمية بما تستجيب لمتطلبات  الخطط الانتاجية .على أن تقترن كل هذه السياسات  بعملية  شاملة لمكافحة الفساد في مختلف مستويات الدولة الحكومية المغرقة اصلا بالفساد، وتنظيم حملة رقابية رسمية و شعبية توفر للقضاء العراقي  الأدلة والبيانات المتعلقة بالفساد وانشطة الفاسدين .

عرض مقالات: