عندما كنت صغيراً، كنت أذهب مع أبي الى المجالس التي تقام في قريتنا، في أقصى جنوب القلب، وأصغي بانتباه لما يتحدثون به عن سيرة الإمام علي (ع) وفضائله وصفاته وطريقة حكمه، حتى انعجنتُ بمحبته بشكل لا يصدق. بعد ذلك قرأت ما كتبه المحبّون والمبغضون الذين لم يجدوا ثغرة واحدة في سيرته، حيث العدالة والإنسانية والنزاهة والإيثار والسعي الى ما ينفع الناس، فترسّخت عندي قناعة تامة ومازالت بأن هذه الشخصية فريدة من نوعها عبر التاريخ، رغم وقوف الفاسدين والمستبدّين والساعين بالفتنة بين الناس ضده ومحاربتهم له وصولا الى قتله ظلما!

استذكرت تلك الأيام وانا اقرأ وأسمع وأعيش في الخراب الذي سبّبه الفساد وعبث العابثين في مقدّرات البلاد والعباد!

انّه أعدل حاكم عرفته البشرية، على وفق ما جاء في احد تقارير الأمم المتحدة عام 2002، حيث تأكد للجميع انه ورغم قصر مدّة حكمه، حكم بما يُرضي ضميره والإنسانية جمعاء!

قال ذات يوم: “لو كان المال مالي لساويتُ بين الناس في توزيعه، فكيف والمال مال الله”. وهذا دليل على إيمانه الشديد بمبدأ المساواة في توزيع الثروة، والتي تُعتبر أولى بذور الاشتراكية في العمل قبل ظهورها كفلسفة. وفي مكانٍ آخر يقول: “إذا شاهدتَ قصراً فتأكد أنّ خلفه ألف ألف كوخ” وهذا دليل آخر على كشفه للفاسدين ولصوص المال الساعين الى خراب النفوس والضمائر!

مآثره كثيرة لا تحصى، من خلال سيرته التي ذكرها المؤرخون من الموالين وغيرهم وحتى المستشرقين، الذين أعجبوا بشخصيته أيما إعجاب .. فإطفاؤه الشمعة بعد انتهاء عمله في خدمة الناس وبقاؤه في الظلمة ، ووصيته إلى ابنه الحسن بعد أن ضربه بن ملجم قائلا “اطعمْ أسيرك مما تأكل واسقِه مما تشرب. فإذا متُّ فضربة بضربة وإذا عشتُ فأنا أحكم فيه وربما أعفو عنه”!

كذلك وصيّته إلى عامله في مصر مالك الاشتر التي يقول فيها: “اعلم إن الناس صنفان، فأما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق” والتي تُعتبر قمّة التعامل الإنساني مع البشر، ولا تفرق بين هذا وذاك على أساس الدين واللون والقومية!

وانطلاقا من سيرة الامام علي ومآثره علينا أن نحكم بالعدل والمساواة والنزاهة بين الناس، وان نجعل من ضمان حقوقهم وتلبية احتياجاتهم أولى مهامنا، فلا يكون هناك فقير يتضوّر جوعاً وبرداً وحرا، ولا يتيم محروم من ثوبٍ يُفرحه في يوم عيد!

وان خير الناس من نفع الناس وخدمهم وسهر على اسعادهم، ومن سما بالوطن بناءً وعمراناً وأماناً في كل حين!

عرض مقالات: