أذكرُ اننا في ستينات وسبعينات القرن الماضي كنّا نستقبل صباح اول ايار بسماع صفّارات البواخر، وهي تُطلقها ابتهاجاً بعد ان كانت  نشرت الزينة فوق أبراجها منذ الليل وحتى اليوم الثاني. وكانت تعزف الموسيقى  وتُقامُ المسيرات والاحتفالات هنا وهناك وتُوزّع الحلوى والملبّس والجكليت على العمّال وزملائهم الموظفين وعوائلهم. وكنا نجد عمّال الميناء في أبهى حلّةٍ و في حركة دائبة وهم فرحون يرتدون بدلاتهم الزرق محتفلين بعيدهم !

كما أذكر أنه كانت لعمّال الميناء امتيازاتٍ خاصّةً من ملابس وأحذية ومؤونة أسبوعية خلال فترة دوامهم ، إضافة إلى الدرّاجات الهوائية التي كانت تختلف باللون عن درّاجات المهندسين والموظفين ذوي الدرجات الأخرى، فتجد  الشارع كلَّ صباحِ مزداناً باللونين الأصفر والأسود وهم يذهبون الى حيث بوّابة الميناء التي وُضِعت عندها اسطوانات حديدية صغيرة، لتكون مرآباً يركنونها فيه !

لكن بعد القرار الجائر والفاشل الذي أقرّه النظام الفاشي المقبور بتحويل العمّال إلى موظفين، اختفت هذه المظاهر الجميلة ولم نعد نُبصرُ جماليات العمل وروحيته فيهم ، كما اختفت الامتيازات والحقوق وانتهت رمزية الفرح في هذا اليوم أيضاً !

كيف يكون للعمّال عيدٌ وليس هناك عمّالٌ بالمعنى اللفظي للكلمة ؟!

كيف يكون لهم عيدٌ وهم كعاملين بأجرٍ يومي لا يتمتعون بأيّة امتيازاتٍ، وليس لديهم أيّة حقوقٍ إذا تعرّض أحدهم إلى حادث ما أثناء العمل ومن جرّائه ؟!

أمورٌ كثيرة تغيرت بفعل ذلك القرار، ولحِقَ الحيف والغبن بالكثيرين ممن هم بدرجة عامل ، فهم  بلا صفة ولا حقوق ولا امتيازات !

والغريب في الأمر اننا ما زلنا منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً نعمل على وفق ذلك القرار الظالم، فالسادة المسؤولون في الحكومة وفي مجلس النواب يرفضون إلغاءه وإعادة الحق إلى نصابه، مثلما يبقون الكثير من القوانين والأنظمة التي اقرّها النظام المقبور ويبقوننا نعمل على وفقها !

اليوم وبعد مرور كلّ هذه السنوات علينا أن نفكّر حقاً وبجدّية في كيفية إعادة حقوق العمال التي ضاعت أدراج الرياح. فكم من عاملٍ أصيب أو توفي أثناء العمل، دون أن يحصل أو تحصل عائلته على أي تعويض ؟!

اليوم ونحن نحتفل بعيدهم علينا أن نطالب بإعادة الصفة المثلى إليهم، ، فالعمّال هم أساس كل شئ: بدونهم لن يستطيع اي موظف بأي درجة أن يحرّك ساكناً، وبدونهم لن يكون هناك مسؤول أو ربّ عمل، وبدونهم لن تُعمّرَ الأوطان ولن تزدهر أبداً، لأنهم هم الذين  يرسون أولَ طابوقة في البناء دائماً !

ان علينا واجب إعادة صفتهم الكبيرة والعظيمة هذه، واعادة حقوقهم وامتيازاتهم وتخليصهم من أعباء الأجور اليومية والأتعاب، لنحتفل بهم ومعهم في عيدهم كلَّ سنة!

وكلّ عام وعمّال العراق والعالم بألف خير وبأمان وسعادة !

عرض مقالات: