تعرّفنا على تأريخ الأمم والشعوب من خلال كتابات مبدعيها ، وبالأخص الرقم الطينية التي تركها لنا الأولون ، حيث قرأنا الملاحم والأساطير وعرفنا عادات وتقاليد وحياة هذه الأمم ، كذلك دياناتها وأساليب المعيشة وأغاني الأفراح والأحزان ، وكل هذا جاء من خلال ما أبدعته مخيلة الكتّاب والمؤرخين والفنانين والشعراء، لهذا علينا أن ننظر بعين التقدير والاعتزاز والفخر لمبدعينا في شتى المجالات !

دارت بمخيلتي هذه الكلمات وأنا اشاهد حجم التجاهل والتهميش واشاحة الوجه من قبل المسؤولين والمعنيين بالثقافة ممن يجلسون على كراسي السيادة تجاه الشريحة المهمّة جداً والتي سيذكرها التاريخ والناس مازالت الحياة قائمة ، ودار حديث بيني وبين عدد من زملائي  الأدباء حول الاهتمام بالمبدعين وضرورة رعايتهم وتفقّد أحوالهم الصحية والمعيشية وما يعانونه الآن من إهمال وإجحاف من قبل المسؤولين كافة أولاً، وذكرهم ونعيهم وتشييعهم بما يليق بما قدّموه للناس والوطن لحظة رحيلهم ثانياً ! بين آونة وأخرى نفقد مبدعا قدّم عصارة فنّه وعمره في خدمة الناس والوطن ولا نقول إلاّ (رحل على نفقته الخاصة )!

وقبل ايام فقدنا مبدعاً كبيرا شغل مساحة واسعة من هذه الارض بفنّه وصوته وأنغامه ، ألا وهو الفنان الخالد جعفر حسن ، كما فقدنا مبدعاً آخر تغنّى بالعراق وناسه شعراً وعمل في ادارة اتحاد الادباء مدة ليست بالقصيرة، ألا وهو الشاعر الجميل مروان عادل حمزة !

القائمة طويلة بمن رحلوا على نفقتهم الخاصة يحملون ألم الإهمال المتعمد من قبل المسؤولين وعدم السؤال عنهم او حتى نعيهم بالقليل من الكلمات!

 المبدعون ثروة وطنية ، كما النفط والصناعة والتجارة والزراعة والآثار  لن تنضب أبدا!

المبدعون هم وحدهم مَن سيظلّ التاريخ يتحدّث عنهم بعد زمانٍ وزمان!

لنتذكّر قبل كلّ شيء إنّ الجواهري عاصر ملوكاً ورؤساء كثيرين وأكثر من ذلك وزراء ونوّاب ومدراء عامين وغيرهم إلاّ أنّ التاريخ لم يذكرهم ، لكن الجواهري خالد الذكر ، كذلك السيّاب والبياتي وناظم الغزالي وسليمة مراد وفؤاد سالم ، وغيرهم من المبدعين  الذين تفصلنا عنهم مئات السنين وخلال هذه المئات مرّ الآلاف من المسؤولين ، لكن الناس تتذكر المتنبي وامرئ القيس والمعرّي وزرياب ولن تتذكّر مسؤولاً واحداً، والأمثلة كثيرة !

ما علينا إلاّ أن نلتفت إليهم قليلاً ونتذكّر أنّ التاريخ لن يرحم أحداً ، لهذا يجب أن ننتبه الى نقطة مهمّة جدا وهي أنهم ــ اقصد المبدعين ــ الثروة الحقيقية التي ستبقى على مدى الدهر ، رغم عوادي الزمن ، ونقوم بالواجب الحقيقي الذي يمليه علينا ضميرنا ــ لأنه الذي لا يملك ضميراً حياً  لا فائدة منه ــ وانتماؤنا الحقيقي للوطن واعتزازنا بالإبداع والعرفان للمبدعين !

واجبنا السؤال عنهم وتفقّد أحوالهم المعيشية و لا ننسى أن الكثيرين منهم يعيشون تحت خط الفقر وتنهش أجسادهم الأمراض في ظل الفساد والخراب المتفشّي في كلّ مفاصل البلاد، وأن نقدّم لهم الدعم والعون في كلّ ما يحتاجونه من سكن يليق بإبداعهم وتحسين معيشي وفحص وعلاج وغير ذلك وأن نقوم بكلّ مايليق بهم من ذكر ساعة رحيلهم عن دنيانا!

وأخيراً أقول : المبدعون هم الإرث الباقي  لا تفرطوا بهم ابدا!

عرض مقالات: