بين فلسطين والعراق اواصر تَعبُر من فوق السياسة والحروب وعواصف الرمل الى الوجدان، تلك الطاقة الشعورية التي فاضت، مِداداً، على ورق كثير، وتجسدت متألقة في التاريخ، مرة واحدة في الاقل، بانتشاء جبرا ابراهيم جبرا في “شارع الاميرات” بمنصور بغداد، صانعاً من هذا الانتشاء رواية أخّاذة همست فيها بغداد بصوت خفيض وهي تستذكر اجاثا كريستي وصبيانا، عراقيين وفلسطينيين، لعبوا وكبروا وتشكلوا على هيئة قوارب ورق ملونة في نهر دجلة. اما انعام كجه جي فقد اخذتنا في روايتها “النبيذة” الى زمن المن والسلوى إذ يجد الفلسطيني “ منصور البادي” المهاجر الى بغداد طريقه الرحب الى شناشيل الدرابين الضيقة ليصنع هناك قصة حب مع فتاة عراقية خرجت تواً من” مخبز” تاريخ مثير، رغيفاً شهياً، وكما يقول الشاعر الفلسطيني محمود ضميري “كلمة العراق تحمل سحرا تجعلنا ننتشي”.

رواية سلوى جراح “حين تتشابك الحكايا” اختارت الأسى هوية لها، لا تشعر انها مستعارة من مواكب تشييع الشهداء في العواصم العربية حيث تشق النساء جيوبهن. لكن الموت هو الموت. نصر راغب، القاص الفلسطيني، وانا الموقع أعلاه، كنا صديقين في شلة تسكن حياً من احياء بغداد الشعبية. تركته مهاجرا، وبعد ان عدت بعد ثلاثين سنة كان نصر راغب قد توفى في حادث سير. كان يقول لي، بلهجة عراقية متقنة، ان الفلسطيني “ما يموت موت الله” تمييزا بين موت في نهاية العمر، وآخر بفجيعة، واتذكر محاضرة القاها الاديب الفلسطيني الراحل محمد سمارة وهو صحفي له بصمة في اعمدة صحف ثورة تموز 1958 في تأبين اديب عراقي بمقر اتحاد الادباء اواخر الستينات قال فيها ان هناك تشابها بين موت العراقي وموت الفلسطيني، الى حد كبير.

تمُتّ رواية (حين تتشابك القضايا) بصلة  حميمة للأعمال الفلسطينية  التي ارتوت من ماء دجلة رشفات صافية، وذلك من جانبين، الاول ان كاتبتها “سلوى جراح” الفلسطينية التي قضت عمرا طويلا في العراق، وتعلمت فيه، وحملت عنه، ومن دخان معاركه العاصفة، وعيَ عناد نبيل مبكر من اجل العدالة وتصحيح الاقدار، والثاني موصولا بتجربة بطلة من ابطال الرواية في بغداد، احبت عراقيا، وفُجعت به، والحال فان الحديث عن هذه الرواية بلغة النقد الادبي المدرسي، من وجهة نظري، تدخل في محاولات (تبريد) ما اضرمته من نيران في قلوب اصحابها  وقرائها  وشهود احداثها.

وربما لهذا السبب، كنت قد كتبت للصديقة الكاتبة ما يلي:

“أكملت من يومين قراءة (حين تتشابك الحكايا) ولأني لست ناقدا، ولا املك من ادوات النقد إلا ركنا واحدا هو “استيعاب النص” وفي التفاصيل، الانبهار به، فاني عفوت نفسي من الحديث عن بنية السرد وعناصره ومحترف الاحداث، فأقول شكرا لك أذْ وضعت بين يدي قرائك (وانا منهم) شهادة فلسطينية نقية مثل دمع العين، وبالمناسبة كانت الرواية ضاجة بالدموع النقية، التي تليق باسم فلسطين”.

الرواية تحاول ان تستقوي بيقين الوطن الفلسطيني المغيّب ظلما، فتتمايز عن الكتابات الفلسطينية والعربية، الاكثر حداثة، في معاينة مرارات والتباسات الواقع العربي من منظور اوزبورن القديم “التفت الى ورائك في غضب” او ما جسده محمود درويش في صيحته الغاضبة: “أيها المستقبل: لا تسألنا: مَنْ أنتم؟ وماذا تريدون مني؟ فنحن أيضاً لا نعرف” ومنذ اوائل صفحات (حين تتشابك الحكايا) يتدحرج (غريب عطا الله) بطل الرواية الى عارضٍ مروّع في المنزل فيتم نقله الى المستشفى، ثم الى غرفة الانعاش، ليبقى حتى نهاية الصفحات، بين الموت والحياة، وتبقى سلوى جراح تحفر في ذاكرتنا ما تبقى فيها من فلسطين، القدس، غزة، طولكرم، ادواتها تتمثل في ما تركه ابطال الرواية من موروثات الاباء والاجداد، ومن ذكريات ومسرات واحلام، احاطتها بأسئلة مشروعة عما اذا كان مصير فلسطين من نوع المصائر المرشحة للنسيان، وتكبر الاسئلة حين يعود ابطال الرواية الاربعة الى فلسطين عبر القنوات الضيقة للاحتلال.. “الخوف من ان لا تتشابه احلامنا مع ما سنجد على الارض التي نريد ان تكون ارض احلامنا..”.. “نحن جئنا على امل ان نحقق ما نأمل”. ولم ينجحوا، بل انهم انتهوا مع عائلاتهم في الوطن، وبقرار الهجرة مجددا، الى جسد مقطع الاوصال، في حين كانت العودة الى المنفى.. لندن.. كما لو انها تحصيل حاصل، او محطة انتظار فلسطينية على مستوى الاحلام، فيسعد الفلسطيني بمشاهد مدينة الضباب بمكتباتها ونهرها ومعارضها ومكتباتها ومتاجرها قبل ان تقطع مأساة “البطل” هذه الاستراحة بالخوف والقلق.

في سرد سلوى جراح الكثير من البكاء والنشيج، وكانت الدموع المدرارة حول السرير الذي يرقد فيه غريب عطالله من زوجته وولديه وصديقيه، ترسم ايحاء عميق الدلالة الى فلسطين نفسها، اذ بدا لي، وقد يبدو لأي قاريء، ان الكاتبة تعدّ لتشييع البطل من غرفة انعاشه في المستشفى الى مثواه الاخير، لكنها لم تفعل ذلك، فقد انتفض غريب عطا الله في سريره، فجأة، عائدا الى الحياة واحضان الزوجة، معافى، فيما يعود الحلم سلساً الى عالم السرد بوصفه يقيناً، وليس لعبة لمن لا يملك لعبة لتزجية الوقت.

لنتذكر ان الفتيان الفلسطينيين الذين اقلتهم الحافلة الحديدية المغلقة من البصرة الى الكويت، في رواية غسان كنفاني “رجال تحت الشمس” قد ماتوا اختناقا واحدا بعد الآخر، وقيل حينها ان كنفاني كان يتحدث عن موت الوطن.

سلوى جراح.. احسب ان رسالة روايتك قد بلغت: فلسطين لم تمت.

عرض مقالات: