البلبل ذو المؤخرة الصفراء ولد في قفص غير هذا قبل ثمانية أعوام، قفص خشبي صغير معلق الى السقف، أما هي فقد خرجت من البيضة ورأت النور قبله بأشهر عديدة ثم كبرت ها هنا، في هذا القفص الكبير، بل، إن أردنا الدقة، في هذه الغرفة الطينية ذات السقف الخشبي التي تطل واجهتها المصنوعة من الأسلاك المشبكة على الحديقة الفسيحة الملحقة بالبيت القديم وتسمح لساكنيها بالطيران أو القفز لبضعة أمتار. غرفة تضج بالعشرات من الطيور المختلفة الألوان والأصناف: طيور حب، كناريات، بلابل وعصافير وزرازير وسنونوات. لقد خالطت كل ساكنيها وتعلمت عنهم ومنهم الكثير وهو ما جعلها تعتقد، ومعها الحق، بأنها أكثر منه حكمة وخبرة بالحياة.

لا تعرف ما الذي أعجبها فيه حين فضلته على بقية البلابل؟ أهي مؤخرته ذات البقعة الصفراء الزاهية، أم خفته وطيشه وحركاته المتهورة المضحكة التي يأتيها أمام الإناث، أم إحساسها بالعطف عليه عندما جاءوا به وهو مجرد طائر صغير اختفت أمه قبل أن يكتمل ريشه ويزيد حجمة عن الجرادة.

البلابل والعصافير ليست حيوانات مسالمة لطيفة المعشر كما يراها البشر. إنها حادة الطباع ومتنمرة مع الضعفاء وعدوانية محبة للشجار في كثير من الحالات وأهمها.. آه، إنكم تعرفون: التنافس الأزلي على الطعام والسفاد! كانت كل الطيور والبلابل وخصوصاً الذكور الكبيرة تعذبه وتؤذيه بل أوشكت أن تقتله نقراً على رأسه لولا تدخلها الدائم حتى توقفوا عن إيذائه واكتفوا بتجاهله تماماً رغم زعيقه الأخرق المتواصل.

لكنها اختارته على كل حال واحتضنته كما لو كانت أمه. كان يحتمي بها ويشعر في جوارها بالدفء والأمان. أما هي فكانت تدافع عنه من مناقير البلابل الكبيرة وتبعد الآخرين عن حصته من فتات الخبز أو التمر والخيار والكرفس المقطع التي يولمها لهم أهل الدار بين فترة وأخرى، بل إنها، إن شئتم التصديق، كانت من دربته على التغريد حتى تمرس فيه وصار أثيراً عندهم.

غير أنها كانت تكره فيه خصلتين: كثرة المبالغة والادعاء (لم تسمِّها الكذب) ثم الطيش! وهما الخصلتان اللتان لم يتخلص منهما تماماً رغم أنه صار لاحقاً بلبلاً ناضجاً سميناً ببقعتين بيضاوين على خديه ولطخة صفراء يزهو بها على مؤخرته الصغيرة.

....

الحكمة المكتسبة من تجارب الحياة الصعبة لا تقتصر على البشر. قلت الحكمة لا مجرد الانعكاسات الشرطية! لكن صديقنا لم يكتسب منها –أي الحكمة- شيئاً رغم مشاكله العديدة التي سأقص عليكم حكاية واحدة منها كادت تودي بحياته:

حدثت الحكاية قبل سنوات طوال. في فجر ربيعي ضاحك اكتشف البلبل ذو المؤخرة الصفراء، بحب استطلاعه المعهود، فتحة صغيرة، صغيرة جداً، في شبكة الأسلاك المعدنية التي تسد الواجهة فصار يكافح بمنقاره وقدميه كي يوسعها قليلاً. ونجح أخيراً، ودس جسده المغزلي الضئيل بين أسلاكها التي برّدها الندى وجاهد حتى انسلّ منها بصعوبة بالغة وقد فقد بضع ريشات ليجد نفسه، لأول مرة في حياته، حراً طليقاً.. آه، الحرية، الحرية! أن تقفز من شجرة لأخرى ومن غصن لغصن، أن تلتقط دودة، دودة طرية حية من تحت التراب المقلوب حديثاً، أن تشرب الماء من الجدول الصغير أو فم الحنفية ذات الرأس الذهبي التي لم يتوقف الماء يوماً عن القطران منها والتي خلبت لبه وأثارت فضوله مذ رآها أول مرة!

لكنها ملّ بعد ساعات: وماذا بعد ذلك؟

لقد كان مثل من يمسكونه آلة موسيقية لا يعرف العزف عليها فيعبث بها قليلاً ثم يسأمها ويلقيها جانباً.

وطار نحو الغرفة الطينية، ورفرف عند شبكتها المعدنية التي غدت ساخنة بهذا الوقت، وصار يراقب الطيور التي نظرت اليه لبرهة ثم عادت الى زقزقاتها وتغريدها وانهماك مناقيرها بالتقاط طعامها حينا وبالعراك حيناً آخر. وفتش عنها بعينيه، وأبصرها. كانت قابعة في زاوية بآخر الغرفة، صامتة كئيبة محنية الرأس، فرفع صوته وناداها. وعرفت تغريده فأجفلت ورفعت رأسها وهبت لتطير نحوه لكنها اصطدمت بالشبكة وتراجعت. ثم قامت من جديد وحاولت مرة واثنتين وثلاثا حتى أصابها الإعياء.

وكره كل شيء. كره الحرية والقفز بين الأغصان والأشجار، كره الديدان الطرية المقززة وقطرات الماء النازلة من الحنفية الصدئة، وكره بالأخص خوفه الذي لم يكن يعرفه قبلاً من الغربان المحلقة فوق رؤوس النخيل والهر السمين الذي جثم منتظراً فرصته للانقضاض عليه وذلك الجرذ الكبير الذي يخشاه الهر نفسه. كان يريد العودة الى الغرفة، الى أبناء جنسه وعمومته، وإليها.. الى الأمان وتبادل الغرام!

بقي قريباً من الغرفة وظل لساعات ينادي بصوت لا يشبه تغريده اليومي ويقفز ذهاباً وإيابا بين الغرفة وبين أغصان العريشة التي أورقت لتوها. لماذا تأخر أصحاب الدار؟

لم يكن يعرف أنه يوم عطلة. ومن أين لبلبل ان يعرف السبت من الأحد؟ وظهر الزوج والزوجة أخيراً، خرجا ساعة العصر كي يشربا الشاي في الحديقة كما يفعلان حين يكون الجو رائقاً. عندها رفع البلبل صوته وزاد هياجاً ورفرفةً فرآه الزوج وأمسك به ونادى زوجته:

- أنظري، أليس هذا بلبلنا؟ ماذا تفعل هنا يا ذا المؤخرة الصفراء؟ كيف خرجت من البيت؟

ومسد على رأسه ثم فتح الباب الصغير وأعاده لمكانه فطار من فوره نحو أنثاه ليعاشرها كمن لم يفعل لسنوات. وضحك الرجل وامرأته لهذا المشهد وأحاط الرجل بكتف امرأته وقال لها غامزاً:

- ما رأيك بهذين العاشقين؟

فابتسمت في دلال وأنزلت يده ثم مشت تخطر أمامه في غنجٍ وسبقته الى الداخل وقد تركا الشاي في أقداحه!

...

البلبل ذو المؤخرة الصفراء بعد أن أطفأ رغبته الى حين طفق يتحدث عن مغامرته تلك:

- آه يا عزيزتي، ليتكِ كنتِ معي ورأيتِ بعينكِ بطولات زوجك.

- سيبدأ بالكذب والمبالغة كعادته (قالت الأنثى مع نفسها لكنها قبّلت منقاره وقالت) أنت بطل على الدوام يا ذكري الشجاع. حدثني عما جرى.

- أووه، الكثير الكثير: حالما مزقتُ الشباك وطرت الى الخارج هاجمني هر أسود في كبر هذه الحجرة وأراد التهامي. ولكن هيهات! لقد نقرته في عينه اليسرى نقرة صار يتلوى منها ويتخبط ثم تلوتها بأخرى في عينه اليمنى فصرخ صرخة عظيمة: آه ارحمني أيها البلبل الخارق! لكنني لم أرأف به وهجمت على رأسه نتفاً ونقراً وأنا أصيح: هذه من أجل العصافير التي افترستها، وهذه ثأراً للبلابل التي اكلتها، وهذه انتقاماً لطيور الحب، وهذه وهذه وهذه الى أن هوى جثة هامدة.

- سلمت وسلم منقارك يا بطلي.

- لكن الجرذ الرمادي السمين. هل تذكرينه؟ ذلك الذي كان يحوم حول بيتنا قبل أيام. لقد حاول انتهاز فرصة انشغالي بقتال الهر فدنا مني وحاول أن ينهشني.

- يا ويلي! وماذا فعلت؟

- لم أفعل شيئاً. فقط التفت نحوه ونفشت ريشي وفتحت منقاري فتملكه الخوف وهرب وهو يدسّ ذيله بين فخذيه.

- طبعاً يا ذكري يا ذا المؤخرة الصفراء. ومن يستطيع الوقوف بوجهك؟

- أما الغربان..

- وماذا عنها؟ هل قضيت عليها هي الأخرى؟

- كلا مع الأسف. لقد كانت تراقب المعركة بفضول من فوق قمم النخيل وما أن فرغت من الهر حتى رفعت رأسي وصحت بها: ماذا تفعلون هنا؟ هل تريدون أن تنالوا مصير الهر؟ اغربوا أيها الغربان! إنها جملة فنية بليغة، أليس كذلك؟ أعني جملة أغربوا أيها الغربان!

- هي كذلك فعلاً. ينبغي تحفيظها لكل صغار البلابل والعصافير. هه، وبماذا أجابوا؟

- لم يقولوا شيئاً. لقد نظروا في وجوه بعضهم البعض كما يفعلون في الأمثال حين يعير أحدهم الآخر بسواد الوجه ثم قرروا هجرة المنطقة بأسرها حفاظاً على حياتهم؟

- حسنا فعلوا.

- غير أن أحد الصقور..

- كفى يا حبيبي. كفى يا بطلي ذا المؤخرة الصفراء. ستقص علي بقية مغامراتك فيما بعد. أما الآن فتعال وكل هذه التمرة التي خبأتها لك. أراك جائعا ومتعباً. بالمناسبة: عندي لك خبر مفرح: لقد وضعت أولى بيضاتي هذا الصباح.

- يا إلهي! هل يعني هذا أنني سأصبح أباً. وسيكون لدي بلابل شجعان مغامرون مثلي؟ سأعلمهم كل فنون القتال وسوف أريهم كيف يطاردون الصقور كما فعلتُ هذه الظهيرة. لقد جعلتُ أحدها..

- هشش! كفى يا حبيبي. سوف تكمل سرد مغامراتك في الغد. أما الآن فحاول أن تنام. تعال يا بلبلي الجميل. ليتني فديتك وفديت مؤخرتك الصفراء. تعال ونم تحت جناحي. ولكن عدني قبل ذلك ألا تخرج من الحجرة ثانية. أكاد أموت من الخوف في غيابك.

- حسناً، سأفكر في الأمر.

...

كان البلبل الهرم جاثماً قرب انثاه وهو يراقب في رضى أحفاده الذين يتقافزون في مرح وطيش هنا وهناك.  ثم التفت اليها وقبل منقارها وحاول أن يسافدها غير أن قوته خذلته فعاد الى مكانه مواصلاً تأمله وقال كمن يحدث نفسه:

- أتدرين؟ عندي سر أريد إخبارك به. في ذلك اليوم قبل سبعة أعوام، يوم طرت من القفص، لم أقهر الهر والجرذ والغربان فقط بل... بل صاحبت أربعة بلابل.. آسف جداً، لقد خنتكِ معهن جميعاً. أرجو أن تسامحيني.

ولم تجبه زوجته. تظاهرت بأنها لا تسمع! وعندما أعاد اعترافه بصوت أعلى وهو يضيف المزيد من وحي خياله ضحكت في سرها ثم قالت له في حنان:

- لقد كنت أعرف ذلك يا عجوزي. كنتَ على الدوام فحلاً لا يشق له غبار. ولقد سامحتك من يومها فلا تقلق. تعال لتغفو في أحضاني، زق زق زق.. أحبك يا ذا المؤخرة الصفراء.

- زق زق زق... (دسَّ نفسه تحت صدرها) أحبك جداً.. زق زق.. جداً!

وغفا سريعاً تحت جناحها الدافئ!

عرض مقالات: