( 1 )

بلند الحيدري، القطب الرابع في حركة تجديد الشعر العراقي والعربي في أربعينيات القرن الماضي، كثيرا ً ما يتعرّض للتناسي عند بعض النقّاد والدارسين عندما يكون الحديث عن الريادة التجديدية، إذ يذكر هذا البعض أسماء الثلاثي ( السياب، البياتي، الملائكة ) ولا يُذكر إسمه. ومثل هذا التناسي فيه الكثيرمن    التجنّي وعدم الدقّة ، وضعف الانصات والتلقي تاريخيا ً وفنيا ً. والحيدري لا يقل أهمية ً وخصوصية ً عن أقرانه في مسعى التجديد والتحديث، ومن ثم َّ تأصيل هذا المسعى.

إن َّ أعمال الشاعر الأولى ( خفقة الطين، أغاني المدينة الميّتة، جئتم مع الفجر، خطوات في الغربة، أغاني الحارس المتعب، رحلة الحروف الصفر ) تؤكد دور الشاعر الريادي على مستويات عدّة : الشكل، البناء، التحرر من قيود القصيدة العربية القديمة، جماليات اللغة والصورة والرمز، طبيعة المواضيع، الانفتاح على تحوّلات الشعر العالمي وتطويعها فنيا ً، الموازنة بين ماهو واقعي حسّي والتجربة الوجودية، مسرحة العمل الشعري، التواشج مع الفن التشكيلي، وغيرها. ورغم هذه الممكنات الفنية التي توافر عليها وعكسها تطبيقا ً في شعره، إلا أنه لم يجد لها تلمّسا ً عند البعض الذي أشرنا إليه، ولم يحظ بدراسات كتبيّة مستفيضة عن تجربته الشعرية  كما حصل مع أقرانه، سواء كان ذلك في الدراسات الأكاديمية أو النقدية  العامة، سوى بعض مقالات نُشرت في كتب عنه وعن وآخرين. وهنا أتحدّث عن فترة زمنية تسبق مغادرته العراق.

( 2 )

أدرك َ الشاعر مدى الحيف الفني / التقييمي الذي لحق َبه مبكرا ً، وعمد إلى تثبيت بعض الأقوال القصيرة بحقه لشعراء من جيله وأدباء آخرين، كمفتتحات في معظم مجاميعة الشعرية، قاصداً الايحاء بها لدوره الفني التجديدي والتحديثي في حركة الشعر العربي والعراقي. وقد جاءت تلك الأقوال على النحو الآتي :

1 بلند الحيدري، هذا الشاعر الممتاز الذي الذي أعتبر العديد من قصائده الرائعة أكثر واقعية من مئات القصائد التي يريد منّا المفهوم السطحي للواقعية أن نعتبرها واقعية – بدر شاكرالسياب 1956.

2 إن َّ بلند شاعر مبدع في أساليبه الجديدة التي حققها وفي طريقته التي لا يقف فيها معه إلا شعراء قلائل من العراق – عبد الوهاب البياتي 1952.

3 قد يكون الحيدري أقرب إلى أبو ريشه تعبيرا ً ولكنه أخو أبو شبكة في الطاحونة الحمراء، فالرحى سورية وأما الحنطة فعراقية. ليس فينا مَن قدّرَ الصمت واستوحاه كما استوحاه هذا الشاعر، وقل َّ في الأدب العربي مَن أوحت إليه الطريق ما أوحت إلى بلند الحيدري. أشهد أن َّ ديوان بلند الحيدري خفقة الطين أحفل ما قرأت من دواوين الشباب بالشعر ولعله الشاعر الذي تحلم به بغداد – مارون عبود 1952.

4 بلند الحيدري شاعر شاب نظم الشعر متحررا ً من قيوده القديمة متأثرا ً بالتيارات نفسها التي يتأثّر بها كتّاب الغرب، على أن َّ هذه التيارات قد تسرّبت إلى انتاجه تسربا ً تلقائيّا ً. جمال شعره عميق وذو أثر بعيد – دزموند ستيوارت 1955.

5 ومن مميزات شعر بلند الحيدري أنه بعكس أكثر ما تنتج المطابع من كلام موزون وسخافات مقفاة، شعر صور : فصاحبنا كالفنان الحاذق لا يلقي بالألوان على لوحته جزافا ً ولا يرسل الخطوط عليها أنّى اتجهت – جبرا ابراهيم جبرا 1951.

6 تأكّد بأني أحد المعجبين الكثيرين بشعرك وأنظر إليك نظرة كلها أمل وكلها رجاء فأنت من المجددين الذين خرجوا عن الوتيرة البليدة –البير أديب 1951.

7 يتلاعب بلند بعدد التفاعيل ويوزّعها كيفما شاءت شاعريته الفذّة ويحمل الكلمة ويضغطها فتشع وتوحي – فؤاد الخشن 1952.

8 أظهر مميزات شعر الحيدري : التصميم المتقن، والتركيز وتصفية القصيدة من الشوائب، وتخليصها من الخطابة والتقرير – أحمد أبو سعد 1959.

( 3 )

بلند الحيدري، شاعر كبير رغم التجاهل، وقد أظهر تصعيدا ً فنيا ً في أعمال لاحقة، أهمها ( حوار عبر الأبعاد الثلاثة )..، كما أصدر في المنفى أعمالا ًشعرية ً أخرى : دروب في المنفى، أبواب إلى البيت الضيّق، إلى بيروت مع تحياتي، الأعمال الكاملة. وله في الكتابة المقالية  / النقدية : أضواء وإشارات على الطريق، زمن لكل الأزمنة، مداخل إلى الشعر العراقي الحديث، دراسات في الفنون التشكيلية، وغيرها. كما كُتبت عنه مقالات عدّة خلال اقامته خارج العراق، كما صدرت عنه بعض الكتب (هناك ) أيضا ً.

من هنا يكون تناسي هذا الشاعر ( هنا )  يبدو خارج محددات الموقف الثقافي، وعلى هذا الموقف أن ينتصر للشاعر ابداعيّا ً، ويوسع من ايحاء مفتتحاته القصدي...

عرض مقالات: