في بداية حياتي الزوجية، استأجرتُ بيتاً قديماً مكشوفاً، تعيش معنا الصراصر والعناكب والنمل بأنواعه والحشرات الزاحفة والأخرى طائرة  لا أعرف أسماءها وحتى العقارب.

اشترت والدتي ست دجاجات ثلاثاً منها تجاوزت الوصوصة منذ حين، وثلاث لا زالتْ في دور الكتاكيت.

- سألت والدتي لماذا الدجاج ؟

- الدجاج يخلصنا من الحشرات التي تملأ البيت.

كنت في بعض الأحيان أراقب الدجاج لأرى صواب ملاحظة والدتي. أدهشني تصرفها. كانت تتسابق في صيد الصراصر حدّ التصادم، ولكنها لا تعبأ بصيد العناكب وتكون حذرة جداً في حال اصطيادها.

ذات يوم خرج عقرب من مخبئه وسار بين الدجاجات ساحباً ذيله على الأرض استعداداً للهجوم. الدجاجة التي شاهدته اصدرت صوتاً ليس كصوتها المألوف. تسمرت الدجاجات الأخرى في أماكنها وأخذت تراقب العقرب السائر بينها حتى اختفى في جحرٍ آخر.

واتضح لي ان الكائنات الحية ومنها الطيور تدرك بالفطرة الخطر، ولها لغتها للتفاهم مع افراد جنسها او صنفها.

في البصرة القديمة سوق للطيور فيه ما تريد: طيور تُذبح للأكل،  وطيور للزينة واخرى تطربنا أصواتها. هذا بلبل يغرد وهناك بطوط تبطبط وببغاء يعزف لها مالكها فترقص،  تميل، تارةً بجناحها الأيمن الى الأرض وتارة تميل بجناحها الأيسر وتقفز الى الأعلى. 

في السوق طيور كثيرة والوان جميلة،  تدخل البهجة الى قلب الناظر اليها،  لكنها تحدث ضجة كضجة الموسيقى في زفة عرس غير منظم.

يخطئ البعض عندما يقول: الطيور تطلق اصواتها مرحبة بالمتفرجين والمتبضعين، والحقيقة عكس ما يقولون، الطيور بأصواتها تشكو أسرَها وفقدانها لحريتها لأنها تعيش في الأقفاص. ذهبت الى سوق الطيور، حينها كان عمري أقل من عشرة أعوام لأشتري بلبلاً وفعلاً اشتريت واحداً بقفصه بمبلغ خمسةَ عشر ديناراً. مبلغ كبير بالنسبة لي، لكن حبّي للبلابل جعلني ادفع المبلغ بلا تردد.

كانت فرحتي به كبيرة، وفي الأيام اللاحقة كانت العناية به شغلي الشاغل فنشأ غريداً بصوت جميل. كلما اقتربت منه  مال بمنقاره واطلق أصواتاً لا افهمها لا اعلم ان كان يشكو اسره أو يشكرني على الموز والتفاح الذي اقدمه له.

ذات يوم شاهدت بيضةً مكسورة داخل القفص، فادركت ان البلبل انثى، احضرت لها عشاً من صنع البلابل ووضعته داخل القفص.  كنت مخطئا عندما اعتقدت انها ستبيض فيه، اذ استمرت بالوقوف على اعلى مكان داخل القفص تبيض فتنكسر البيضة.  تذكرت قول احدهم (البلابل ترفض ان يرث صغارها العبودية فتمتنع عن التكاثر داخل الاقفاص).

عادتي ان أربط قفص البلبل في سعفة نخلة، في هذا اليوم تركت باب القفص مفتوحاً اعتقادا مني ان البلبل لا يترك القفص ونعيم الاكل بداخله.

خرج البلبل ووقف فوق القفص، نزل الى جانبه بلبل طليق وانطلق كلاهما الى سعفة اخرى فغرد البلبل الطليق بأعلى صوته، فتجمعت بلابل المنطقة في حديقتي مرحبة ببلبلي الصغير وفي زفة تشبه زفّة العريس ايام زمان.

ابعدت البلبلَ الصغير عني لأعرف ماذا أفعل واكتفيت بالقول. لماذا يا بلابل ابعدتم البلبل وأنا الذي ربيته صغيراً حتى كبر؟

الاحتفاء الذي ابدته البلابل  مرحبةً بالبلبل الصغير ذكرني باحتفاء آخر، كنت أنا المحتفى به.

بعد غياب دام أكثر من ستة أشهر، طرقت باب بيتنا وفي لحظة دخولي طوقتني والدتي بيديها الاثنتين. وأخذت تقبلني واكثرت من التقبيل. أسرعت الى والدي وقالت: استيقظ يا أبا سبهان. لقد عاد سبهان فنهض مسرعاً، ورفع يديه الى السماء قائلاً : لك الشكر والحمد يا رب، طوّق ولده وعانقه. كدت افقد بصري من كثرة البكاء عليك ثم رفع يديه الى السماء مرة ثانية وقال: لك الحمد والشكر يا رب.

استيقظ الأخوة والأخوات وهلهلن ورقصنَ، لكن الوالدة صرخت بهن أن يكففن عن ذلك. قائلةً: انسيتنَّ من يحكمنا؟ رد عليها والدي: الحكومة لا تمنع اقامة الافراح احتفاء بالمطلق سراحهم ببراءة.

عادت الهلاهل مرة ثانية، وتسلل الجيران الى بيتنا عندما علموا بإطلاق سراحي ببراءة. شاركت النسوة في الرقص والابتهاج، وبارك الرجال لأبي اطلاق سراحي.

بعد أن هدأت عاصفة الفرح، عاد الجيران الى بيوتهم.

قلت لوالدي احلقْ رأسي (نمرة صفر )،  وأعدتْ والدتي الحمامَ، فنظفتُ جسمي من بيوض القمل العالقة فيه، وحرقتْ والدتي شعر رأسي و ملابسي لمنع انتقال القمل لمكان آخر وارتديت ملابس أخرى غير ملابسي الموبوءة بالقمل، وعادت لتجلس الى جانبي.

جال بصرها بين وجوه الحاضرين فلم تجد وجهاً غريباً، وهمست بأذني اسمع يا سبهان. انهم أوغاد لا يؤتمنون. اذهب غداً الى بيت خالك لتبتعد عنهم.

حينئذٍ أدركت لماذا البلابل ابعدت بلبلي الصغير وكدت اصرخ ايها البلابل: أنا لست وغداً.

عرض مقالات: