كان الوقت عصرا، والجو حارا، والعرق ينز من الأجساد، والشمس في طريقها إلى مسكنها في الغرب، وكانوا هم يلعبون.

ثلاثة صبيان بعمر واحد يلعبون جنب بيوتهم المزروعة على جانب الطريق العام مقابل حي سكني يقع في الجانب الآخر من الطريق حيث بيوتهم والحي السكني يقعان في نهاية المدينة التي تمتد غربا حتى الصحراء الرملية الواسعة.

كان الصبيان الثلاثة يلعبون بكرة صنعوها من خرق قماشية قديمة، وقد كوروها باتقان. كانوا يرتدون لباسا اسود، وفانيلا بيضاء حال لونها إلى السمرة، وقد تبقعت ببقع العرق والتراب. كان الكل يضربها إلى الجانبين، وإلى الأعلى، بقدمه أو رأسه، وهم يتضاحكون بصوت عال.

توقف الثلاثة عن اللعب، تركوا الكرة القماشية المتسخة على الأرض وهم ينظرون إلى عجاجة من التراب التي تصاعدت خلف سيارة صغيرة تركت الطريق العام ونزلت على الأرض الترابية واتجهت اليهم، فيما يسمع دوي محركها. كانت الشمس وهي في طريق غروبها تسد بؤبؤ عيونهم عن رؤية المنظر الذي أمامهم.

عم الصمت بين الصبيان الثلاثة وقد اقتربوا إلى بعضهم، وتبادلوا النظرات فيما بينهم. وصلت السيارة بالقرب منهم، كانت السيارة صغيرة نوع تويوتا بيضاء اللون، توقفت، سكت ضجيج محركها، صفى الجو من خلفها بعد أن تلاشى الغبار المتصاعد من حركتها على الأرض الترابية، نزل الرجل الجالس على كرسي القيادة، ونزلت المرأة التي تجلس جنبه، كان لون شعر رأسها أشقرا، أربعينية العمر كانت تبدو، وفي فمها لبان أبيض تلوك فيه، فيما كان الرجل مثلها بالعمر، حليق شعر الرأس، وهو يرتدي بنطلونا قصيرا، بقمص وردي ذو أكمام قصيرة، فيما كان بنطلون المرأة طويلا، وقميصها بلون أسود يتدلى على البنطلون إلى أسفل فتحة الجيوب الجانبية، وكانت قد أنزلت نظارتها الشمسية من فوق شعر رأسها الأشقر إلى فوق عينيها. كانت الكاميرا بيد الرجل اليسرى، قال لهم وهو يمد يده اليمنى اليهم:

- محمود.

ارتبك الصبيان، راح الواحد ينظر إلى الآخر، انفرجت أسارير وجوههم، بعد لحظات تقدم الصبي القصير القامة من بينهم ومد يده إلى صاحب الكاميرا وهو يقول:

- أهلا وسهلا، كاظم.

رفع الرجل الكاميرا قرب عينه، ضغط على زر فيها فومض مصباحا وانطفأ مع جلجلة ضحكة الرجل، والمرأة.

كانت المرأة قد أمسكت بالكرة القماشية وراحت تدورها بين يديها، أخذ الرجل الكرة القماشية من المرأة وتركهم وعاد إلى سيارته حاملا اياها ووضعها على الكرسي الخلفي للسيارة، عاد الرجل وبيده كرة أخرى مطاطية مثل الكرة التي يُلعب بها في الملاعب التي يشاهدونها في التلفزيون، ضربها على الأرض فنطت إلى الأعلى وباغتها بضربة من قدمه فابتعدت، عندها ركض الصبيان الثلاثة وراءها، فراح الرجل يلتقط الصور لهم وهم يلعبون، فيما المرأة أخذت تنظر نحوهم وهي تضحك بصوت عال فيما علكتها ما زالت في فمها وهي تلوكها.

بعد ان التقط الرجل عدة صور لهم وهم يلعبون بالكرة المطاطية ليرفقها مع موضوعه الذي سينشر في احدى الصحف اليومية عن كرة القدم في الملاعب الشعبية، صعد هو والمرأة سيارتهم ومضوا بعيدا. لم يشعر الصبية بعبور شاب الطريق العام وقد اتجه نحوهم، كانوا منهمكين بضرب الكرة المطاطية، عندما وصل اليهم لم يكونوا يعرفوه، ولا شاهدوه في الجوار. كان شابا سبط الجسم، حليق شعر الرأس، يرتدي دشداشة مقلمة بخطوط سوداء وبيضاء، دخل بينهم وراح يضرب الكرة، عندها رأى الصبيان أبا أحدهم ينزل من سيارة الاجرة التي كانت تقله في الطريق العام ويتجه نحوهم، ركل الشاب بقدمه الكرة ركلات منتظمة عدة مرات دون أن تقع على الأرض، فصاح الصبية عليه محتجين، أغضبه صياحهم، فيما كان والد احدهم القادم من الطريق العام يقترب نحو المساكن الثلاثة، ضرب الشاب الكرة صوب الطريق العام، ضربة قوية بقدمه فراحت كالطلقة واقتربت من الرجل الذي يتقدم باتجاه المساكن، وضربه على وجهه فسقط أرضا، هرع الصبية نحوه، كان الشاب المحلوق الشعر قد غادرهم، قام الرجل، نفض ملابسه من التراب الذي علق عليها، عدّل من وضعية عقال رأسه، أمسك بالكرة، رأوه وهو يخرج من جيب دشداشته سكينا صغيرة، غمد السكين في الكرة المطاطية بضربة قوية كما يضرب رجل رجلا آخر، فأنفجر الهواء الذي كان محصورا داخلها بدوي عال صم أركان المكان الذي يقفون فيه، كان الصوت كأنفجار عبوة ناسفة أو أكثر.

عاد الصبية إلى مكان لعبهم، وهم صامتون لا يسمع منهم سوى أنفاسهم التي تصاعدت بسبب الانفجار العالي. راحت نظراتهم تتحرك فيما بينهم، فيما السكون قد حل في المكان. ومن بعيد رأوا الرجل الذي ضربته الكرة في وجهه يدلف الباب الحديدي لبيت أحدهم، نهض الصبي وتبع الرجل ودخل الدار، ونهض الصبي الثاني ودخل باب الدار الثاني، ثم نهض الصبي الثالث ودخل باب الدار الثالث.

الصبية الثلاثة كانوا يتأملون المشهد، وقد وضعوا رؤوسهم على وسائدهم ذات الأوان الزاهية وهم يغطون في نوم عميق، هو: من أين جاء ذلك الشاب الحليق الرأس وأين ذهب؟ وإلى أين أخذ ذلك الرجل ذو القميص الوردي، كرتهم القماشية؟

عرض مقالات: