وأذكر أيضاً.. انه مرب فاضل..

أعاد لي  الدكتور(جمال العتابي) ضمن دراساته في كتاب (المثول أمام الجمال)صورة الإنسان الكبير(فائز الزبيدي) وزمن مضى كثيراً مخلفاً شذرات يعمل الواقع المر على محوها واستبدالها بما لا جمال له.أستعيد صورته وهو يدخل الصف ،إذ يدخل بيننا وليس إلينا،ذلك لأنه ما أن يدخل لأداء درس اللغة العربية بيننا،حتى يتكلل فضاء الصف وزواياه بنكهة خاصة لم نشم مثيلها على الإطلاق.لم يكن ضخم الجسم وعالي الصوت،بقدر ما يتفوه شعراً وفصاحة.هو جسد قشيب ونقي ملفوف بقماش متواضع،يبرز عنقه حاملاً رأس كث الشعر،غير مصفف بعناية،،فقد أعاقه ساعده المشلول عن تصفيف شعره،وعوق ساقه الأيسر عن السير بين أروقة الغرفة بخفة ،بل بحذر خوف السقوط .وكثيراً ما يتعرض للوقوع وهو يتعثر بقدمه لأن بلاط الغرفة كان منتفخاً ومتهدماً،فما على الطلاب إلا امساك قامته وتركه يتدحرج في السيردون حرج،مستمراً بقراءة الشعر وإلقاء مادة الدرس..وكم تمنينا أن يبقى أمامنا بمحاذاة السبورة لكي نراه بإمعان أولاً ،ونجنبه التعثر بأرضية الصف ثانياً.سمعنا أخباره على عجالة لأنه يهمنا كثيراً،فما عرفنا سوى المدهش والمحزن.قيل لقد تعرض هذا الجسد النحيف لأساليب التعذيب البشعة،لعل أحدها من أجل سحب الاعتراف منه،والتخلي عن حزبه وتقديم (البراءة) المقيتة، وذلك بلملمته كقطعة قماش وتهديده في حشره بحلق المدفع وإطلاق العبوة إن لم يصغ لأوامرهم تنفيذاً وعلى عجالة.لكنهم ملّوا الانتظار ولم يمل الصبر،فعدلوا عن إجرائهم.حياته سلسلة من المفاجئات والضغوط غير الإنسانية.كنا نحدق بقامته القصيرة ،فنراها أطول من كل القامات بصبره وجلده،فغدا لنا صديقاً وليس مدرساً،نسره بما نضمر قلوبنا من أوجاع وفرح،فينظر إلينا كما لو أنه يراقب أبناءه وهم يسترسلون بالكلام المفيد ويلحون بأدب بأسئلتهم ذات المرامي الرحبة والأفق الواسع.زرناه في الفندق الذي يقطنه،واستعرنا منه الكتب التي نحتاجها،وحملنا أوراقنا المكتوب على صفحاتها الشعر الشعبي والحسجة والأبوذية كما كان يطلب منا.كان يحدثنا عن أهمية الثبات في الموقف مهما تبدلت الظروف،وكنا ندرك مراميه،فقد كان بعضنا منتمياً سياسياً. إذ لم نستغرب حين سمعنا عنه وهو نزيل في الموقف عام 1963 في قاعة نقابة المعلمين.قيل أنه تعرض للتعذيب وعلق في مروحة السقف مما أصاب ساعده وساقه الأيمنين بالعطل، فأصبح مشلول الأطراف. استيقظ في منتصف الليل،ووجد نفسه بحاجة لاستبدال ملابسه.وبصعوبة. قال المراقب .. نزع سروال بيجامته.وما لحقها،ولكن وجد صعوبة بعد أن استنفذ أسنانه في مسك قطعة الملابس من أجل أن يدخل قدميه في السروال الجديد. حاول وحاول ولكن من دون أن يفلح ،مما اضطر المراقب أن يتدخل،بإدخال قدميه ثم ساقيه في السروال وأوصله حتى الخصر.اندهش المراقب حين وجد(الزبيدي) يضحك بهدوء ويحوّل المشهد إلى نكتة ،يمزح بها مع الموقوفين الذين استيقظوا على صوت ضحكهما.يقول الراوي:كان مبتهجاً ولم يُظهر تذمره قط.هكذا ازدادت ثقة من سمع ما شاع عن مدرسهم،متذكرين كل خصائصه،لكنهم لم يحظوا ويفوزوا برؤية قامته التي فارقتهم ،وأنا واحد منهم.وحين توقفت على ما كتبه (العتابي) في كتابه عن الزبيدي ،حتى استرسلت ذاكرتي بما أعرفه عنه.هاتفته وشكرته على مثل هذه الإشارة الجميلة التي حوّلتني إلى أجمل الأزمنة رغم مرارتها،لكني لم أخف حزني على فراقه الأبدي،أي ليس ثمة فرصة مرتقبة أفوز خلالها بمرآه،مكتفياً برثاء نفسي وعائلته في مالمو السويد، حيث زوجه (سميرة)وابنته (يمام)،فتحيتي لهما ومواساتي لفراق أنبل مناضل ومربي وفنان  وشاعر.

عرض مقالات: