مرآة سدهارتا

لاتكن أبيض بإفراطٍ، فإن وفرةً من نفايات تدور حولك، يسعدها كثيراً لو أنها علقت بك.. كل حين يفرغ الى نفسه يحدثها بوصاياه، فترفع أنفها بكبرياء، وتحمحم كحصان أصيل لا ينفك عن طاعة صاحبه. تقول الروايات المتداولة عنه في المدة الأخيرة: ان “ المتيقظ” تعتري محياه إمارة حزن غريبة، ويبدو عليه نحول وهزال. بينما تعاكسها في الرأي روايات أخرى تفيد بأن محيا “المتيقظ”  الآن أكثر إشراقا من ذي قبل..

لكنها روايات فحسب، والحقيقة قال بها مريدٌ قريبٌ منه، حين كمن وراء نخلة معلمه المعهودة فسمعه يناجي نفسه بألم:

أعرف بأنكِ تنوئين بحملٍ ثقيل، وتدورين وحيدة غريبة بين مساكين أراهم يغرقون، ويتساقطون من شاهقٍ كخيطِ نملٍ الى هاوية عسل لزجة.. وأثقل كاهلكِ نذرٌ تسلل لقلبك من بين المساءات المتلألأة بالشفق والبهجة،  نذرٌ أوحى لكِ أن تطبعي قبلةً نقيةً وحارة على كفٍ طاهر.. ومنذ حين وشفاهك تتلظى بوهج قبلة حارقة لم يجرب سحرها عاشق من قبل. همتي طويلاً وأنتٍ تفتشين في المدن، والهضاب، والوديان لكن ! سيطول عليك العهد وأنتِ كذلك..لن تجدي خلاصاً من الوزر، ستحترقين بسعير القبلة النذر ، ولن تعثري على كفٍّ طاهرٍ.

باب مقهى 

قابلها على عتبة باب مقهى، فظل مندهشاً لا يدرك سرّ ضحكتها.. وظلت تلاقيه يومياً في المكان واللحظة ذاتها.

فتاة ما إن تمر أمامه حتى تتحرك في داخله الرغبة، وتترك أثراّ لاسعاً في دمائه الساكنة والكافة عن ذلك الحس منذ عقدين تامين.. لم يترك خطُ اللسع في داخله بقايا احتراقٍ وجداني فحسب، بل تحول إلى خارجه مجالاً ممغنطاً بالسحر، واقتفاء أثر المؤثر. انشغل عن أعماله اليومية، ولم تحظ لديه في رأس قائمة الاهتمامات كسابق عهد.

 بل إن معاقرة المقهى تقدمت جميع الأمور. فبات محكوماً بالمغنطة الجاذبة، أو مسحوراً بلغة أهل المقهى..

وبعد لأيٍ وعناءٍ في رحلة التشوق والصبابة، ملأت رائحتها فضاء المقهى فتنبه لمقدمها، ولما يحدث له من ارتعاش واعراض مداهمةٍ لذيذةٍ، فقد غامت عيناه حين رآها تجلس إلى مائدته.

لم يتبدل فيها أيٌّ من أوصافها أو طباعها فقد دلقت ضحكة تغوي السامعين لا قلبه فحسب، فتمغنط المكان بما رحب من كراسٍ وأشجار وألعاب نرد ودومينو..

وأضحى أمامها مكهرب الحس لا يعي كلماتها، إنما أخذت الكلمات تلتصق به وتضيء من سحر جسده الممغنط.. الكلمات صارت مُوصلاً سحرياً يمغنط شفتيها وحسها وكيانها..

كائنان ممغنطان بالعشق يأملان أن يصعقا بعضهما بعضاً ثانية وثالثة لا ليصحوا من التيه بل ليظلا قنديلي عشقٍ مضاءين ينيرا باب مقهى.

عرض مقالات: