جنوح يقظ لعالم صغير يعوم في بحيرة من فقاعات السوائل العطنة، ويتربع عروش جدرانه لوحات بعض المشاهير، نيتشة، أرخميدس، نيوتن، السياب ؛ أم كلثوم ، داخل حسن وووو و، ويلهث رازحا فوق سطوح مناضدها جيش من الاطباق والأواني والانابيب الزجاجية المتباينة في أحجامها وأشكالها، بعضها تقف مستنفرة، مملوءة حد الشفاه، وبعضها الأخر يضطجع بأهمال بأنتظار دورها في العوم بين أنامل رجل إقتسم معها مملكته الذهبية على حد زعمه في تلك الغرفة، منذ نيل شهادة تفوقه الدراسي، وظل محاورا سلسا وشغوفا لحد هذا اليوم

 مالذي طرا؟ وما سرهلع إمرأته من طول بقائه هكذا ولساعات متاخرة من الليل؟ في ذلك الحيز الحالك الذي لاتخترقه سوى حزمة واهنة من الضوء تمر عبر نوافذه، كما لوإنها رميت في غياهب النسيان لدرجة وجدت نفسها في فراغ مطبق بحيث أخلعت عن ذاكرتها بريق طفولتها وكل مايتصل بموضات الزينة و الأزياء وقصات الشعر من مستجدات أخرى ، ولم يشغلها سوى الاستجابة لتلبية طلباته، قدرها ان تجهض عنها جميع رغباتها، بأستثناء بعض الوقت المتاح لها بعد حلول الغروب، تتحينه في الأنصراف إلى أطفالهما، وحالما تعد لهم شيئا من الطعام تذهب بهم الى أسرتهم ليخلدوا الى النوم ، ثم تعاود تركيز إنتباهها نحوه “ يالبأسك من إمرأة لاتبالين لهذا الرضوخ الحانق، لرجل أغرق أغلب أعوامه المنصرمة في نفقه القروي، وظل مغمورا بعبق الأرض ورفس المسحاة وغبار العشب، والزمن اللاحق كما ترينه الأن يختلف تماما، وها هو ذا كما يبدو لك راضخا في نشوة مبتكراته !!، لاتلقين باللائمة عليه، حري بك ان تلوذي بالصمت، فأنك أحدى الفتيات اللواتي كن يلهثن ورائه كالظل بحثا عنه، وبعد ان اصبحت تقيمين معه تحت سقف واحد تحولت بأرادتك الى جزء من اهتماماته،، وهو قد إختارك أنت من بينهن جميعا كزميلة ثم فيما بعد شريكة لحياته لشعوره بأنك إمرأة اخرى، لابل ذائقة تتماهى مع أحلامه ورغباته، وأستمر مشواركما معا هكذا ، على بعد أمتار ولأعوام طوال كنتما تتحاوران في هدوء يتسم بالرشاقة والخفة، في ذلك الرواق الفسيح من الجامعة رسمتما أول خطوة للقاء الذي مالبث إن تحول الى ظل

 مصير مشترك إستمر حتى يومك هذا “

 حرصت على أن تحلق في سماء تطلعاته، تبحث خلسة عما يختزل المسافة المفضية الى أسمى أحلامه ، بغية ان تضع موطئا لها فيما يعتريه من أفكار ورؤى، كانت تثب نحوه مصغية لأدنى صوت يبادر به، بمجرد ان ينبس ببنت شفة تهرع مسرعة لأعداد أدق أحتياجاته من اوراق، تنقية بعض الأنابيب والاواني أن إقتضى الأمر ذلك، او تهيئة مايحتاجه من طعام، شاي، قهوة، أو أي شيئ يراه ضروريا لأستكمال ما يروم اليه، وأحيانا تفاجأ به حائرا يفتش عما يجعله متواصلا في منجزه حين ترى النور قدلفظ أنفاسه لأسباب غامصة ويتعذر في تلك اللحظات إعادة الروح الى غرفة مختبره مجددا إلا عبر مولد كهربائي، لم تتأخر سوى دقائق حتى تعيده اليه، فيقفز الى ذهنه وقلبه هاجس الحوار همسا مع أشيائه ، يواصل أنذاك ملاحقا ماكان عصيا عليه

وفيما هي تحمل اليه في رأسها قمرا الى صحراء ظلمته وسكونه، ودون أدنى شعور بالضجروالاستياء ظلت ترقبه عبر كوة غرفة نومهما تسلل صوته خفيضا

 - بماذا تفكرين يا...

 - لاشيئ

 - لم حزينة إذن؟

بعد تردد قالت

 - بقاؤك في هذا المكان ولفترة مجهولة ، ألاتصجر منه؟

 - كيف أضجر منه فهو سرمتعتي !

 - والى متى؟ والى اين تريد الوصول به؟، ألايكفي؟

  - ماذا تعنين؟

  وأطفالنا ألاتنظر أليهم !!

صمت برهة ثم رد قائلا

 - ما اسعى أليه في هذا المكان الايعد حلما لهم؟

نأى بنفسه عن الأستغراق في نقاش لايفضي الى حل، ربما يسد عليه نوافذ التواصل مع أدواته الزجاجية والنحاسية

كرس أهتمامه هذه المرة بشكل أقسم على ان لأيابه لأحد، فقط لحلمه الجديد

بقيت هي كعادتها تتأمله في ذلك اليوم بترقب حذر حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل، وعند حلول الفجر الذي نشر خيوطه الفضية الى أرصية غرفتها، أستفزها ثمة منظر لم تعتده، لم يصدر عنه اية جلبة حركة او صوت يلتمس منها تحضير بعض ماأعتاد علبه كل يوم، ولا حتى نوبات سعاله المعتادة،ثم إستدركت قائلة “ ربما غط في نوم عميق من جراء ماعاناه من تعب، إقتربت منه للأطمئنان عليه، الفجر عزز من بزوغه في أنحاء اخرى، أندفعت صوبه وهي تغمغم “ لاأعتقد ان أستغراقه في العمل يستمر الى هذا الوقت”

  كان لايبدو منه غير ظل مبعثر على الارض وهو يسند ظهره الى قائمة الكرسي، وقبل أن توقظه لفتت أنتباهها فراشة تحلق في فناء المختبر، ظلت تحوم لدقائق بعدها قفزت في عدة إتجاهات حتى لامست عدستي نظارته، ثم حطت على هامش جملة مقتضبة كتبها بعناية “ وأنا أسجل مسك ختام هذه السطور اكون قد أنجزت حلمي الكبير

وريثما إنتهت من قراءتها ولمرات عديدة شعرت بالزهو من ملاحقة الفراشة بنظرات متلهفة، مستأنسة بها، وإستمرت تحلق في فضاء المنزل، ثم تسربت عبر النافذة، تنبهت ثانية الى زوجها ، أذهلها وقع الصدمة حين ربتت بكفها على كتفه، فالسكون المطلق الممزوج بالبرود غمر جسد ه حتى هيمن عليه تماما ، أرتجفت قواها بشكل وجدت نفسها تجهش في بكاء حاد.

عرض مقالات: