واذ قال ابراهيم ربي أرني كيف تحيي الموتى،

قال أولم تؤمن ؟

قال بلى..

لكني.. كلما لمحت شابا بلحية جنوبية سوداء يتمشى في الكرادة،

أدرك أن تشرين لا تموت،

فصفاء السراي ينبض في ملامح كل الوطن.

...........

مرةً حاول الحمام المزروع في جدارية فائق حسن أن يعبر جسر الجمهورية،

فجابهه الطغاة بالنار..

ولأن الحمام أعلى من أن يمسّه اللهب،

طار حتى وصل غيمةً مذاقها أحمر الألوان،

واستقر في العلم متدثّرا بثلاث نجمات سهرن مع الشعب منذ الليلة الماضية..

مرةً أحبَّ الهلالُ فلاحةً ريفيةً،

فنزل إليها،

وحوّل نفسه منجلاً بين يديها،

ومازال كلّما لاحت سنبلةٌ أمام وجهه في الحصاد،

تذكّر أنّه ترك أسنانه في السماء،

وبدلاً من أن يحزَّ خصرَها،

كان يقبّله ليعلن انتصار الفقراء على الجشعين..

مرةً أرادت رؤوسنا أن تستريح من الطَرق،

فحوّلت ملامحَها إلى أكفٍّ تُمسك مطرقةً،

وعلى عكس كل المطارق على تدقُّ على الرؤوس،

كانت رؤوس أهلي مطارق،

ولكم الآن أن تعرفوا الفرق بين مطارقَ تدقُّ على الرأس وبين رؤوس تتحول الى مطارق لتصنع المستقبل..

..........

لست منتمياً إلى الحزب،

وآسف لذلك،

لكني شيوعي بالفطرة،

أوجّه وجهي خاشعاً حينما اقرأ البيان،

وأعاون ماركس وهو يعيد هرم هيكل ليجلس على قاعدته،

أنا من أهل الله،

الله الذي أعرفه كما عرفه آبائي الفقراء، حينما كانوا يوزّعون فائض القيمة على الجيران،

وهم يدركون أن فائض القيمة يختلف عن القيمة،

أنا كآبائي الفقراء

جنوبيٌّ مجنون،

لا أدّخنُ،

ولا أتعاطى،

لذلك بقيتُ مبرّأً من الأفيون

..........

كلما لمحتُ اثنين محتجَّين صرتُ ثالثَهم،

وناديتُ لنكون أكثر، وأكثر، وأكثر..

وحينما سألتُ لماذا ؟

أجابني من هو أخبر مني،

أن لي حساً عاليا بالثورة،

وحالما ذكر الثورة تذكّرتُ الزعيم،

الزعيمُ الذي دفنوه في ماعون يُباع في سوق الميدان،

وكفّنوا جمهوريّته بالحنين إلى التاج،

لا أدري لماذا أكره مفردة التاج ؟!

ربما لأنها تذكّرني بالاستعمار،

أو ربما لأنها تذكرني بالملوك المزوّرين الذين إذا دخلوا قريةً سرقوها..

تذكرتُ..

لقد أوقفني غشيمٌ في زاوية القصاص متّهماً بالسلام، وحينما سألتُهُ عن هويته أخبرني بأن (تاج راسي) ضحكتُ، وأجبتُهُ..

نعم أنت تاجٌ لرؤوسنا، فرؤوسُنا صارت بالحضيض مذ عرفناكم.

...........

أعلم ابني شهور السنة،

فأخبره أن رأس السنة يكون في الأول من تشرين الأول، وان عدّة كل شهر من الأيام خمسةٌ وعشرون يوماً،

وأن ما بين واحد تشرين وخمسة وعشرين تشرين أيامٌ شهيدةٌ وساعاتٌ شاهدة،

وأن تشرين حينما ينتهي يجيء تشرين آخر،

فشهور السنة الاثنا عشر كلها اسمها تشرين،

فلا تخف يا ولدي،

إن شعباً يستقبل القنابل الدخانية بمحض بطانية مبللة شعبٌ مزلزلٌ للطُغاة،

وإن شباباً يتوضّأون بأكياس المغذّي لن يجوعوا،

وأن جموعاً صنعت الجرف والساتر والخندق والحديقة والساحة واعتصمت بجبل أحد لن يعطوا المطعم خاوة، فدماؤهم الثائرة تشرين،

وغناؤهم تشرين،

وثباتهم تشرين،

فاحفظوا أيها الأولاد تاريخكم الأبيض،

ويا أيها المعلّمون،

استعينوا بتقاويم الثورة،

فالتاريخ ثورة لا تزول.

...........

أرى خيماً نضجت، وقد حان وقت قطافها.. هكذا تحدّث القنّاص..

فأجابه المقنوص البطل؛

يركض عل قنابل جنها جكليت

ويحط دخانها بصدره ويقاتل

جذب يغفه وتنام العين بالبيت

لأن عنده وطن بيد الأراذل

........

أنا عمر السراي..

تشير هويتي بأني ولدت في الرابع والعشرين من تشرين الأول عام الف وتسعمئة وثمانين، ومنذ عام ثمانين الى عام الفين وتسعة عشر، لم يزد عمري الا يوما واحدا، فقد أصبحت تاريخ ميلادي هو الخامس والعشرون من شهر تشرين الأول، عام الفين وتسعة عشر، وسيظل كذلك.

نسخة منه الى رئيس الوزراء، ومديرية الأحوال العسكرية..

........

لستُ مؤمناً بما يكفي،

لذلك سأُلدَغ من كل جُحرٍ مرّتين..

وسأنسابُ مع الطرقات لأرى عينيكِ لؤلؤتين خلف خمار أبيض..

وسأهتف معكِ في ساحة التحرير: (نريد وطن)..

- وطنٌ يفتحُ قلبَه كما يفتح الجنديُّ القضبانَ في جدارية جواد سليم ليزرعنا وردتين وأغنية..

- وطنٌ يشبهكِ وأنتِ تسهينَ عن دروسكِ لترسمي صورتي فوق الملزمة..

- وطنٌ يُجابهُ المتظاهرين بقوس قزح..

- وطنٌ يطلقُ القنّاصةُ فيه من فوّهات بنادقهم الحامض حلو..

- وطنٌ قنابلُهُ الغازيةُ تذوب كالآيس كريم..

- وطنٌ نرفع له القبّعةَ حين لا نخافُ فيه من ألوان القُبّعات..

- وطنٌ لا أضطر أن أكون فيه مؤمناً بما يكفي، لأني أحبُّ أن أُلدغَ فيه من ضوء حُبّكِ مرّتين.

........

أحبك..

لذلك سأستمر بالتظاهر

عرض مقالات: