(1)

اين اجد رفيق رحلتي؟

في ظهيرة هذا اليوم المشمس ــ الأحد، الحادي والعشرين من شهر مارس في سنة 1985، كان الكاتب في جوف شبه اسطواني (بعدما خلّف ظل البرج نابتاً بين كتفيه). مسجل لدى ادارة بلدية مدينة الرفاهية تحت مسمّى”مقهى”. سمع ذاكرته تقول له: “سيكون هذا هو اليوم الأول من إجازتك السنوية. ستعيد تقليداً شخصياً افتقدته منذ ثلاثين سنة، ستعود الى حياة المقاهي والحانات والارصفة، بعيدا عن مكتبك في الجريدة، وتكتب على مزاجك”.

وضع “أخلاقيات الصحافة”، على المنضدة الخيزرانية الصغيرة، وفوقه الترجمة العربية الرسمية لمختارات انطون بافلوفتش، حيث يختبيء العجوز أيونا بوتابوف، بعد ان جلس على كرسيه الصغير المعتاد. ولبث ينتظر قدوم النادل. اطمأن الى وجود الكرسي الصغير الذي يقابله. نهض ومسح غباراً تراكم على ذراع الكرسي اليمنى، ثم عاد الى كرسيه وهو يحاول ان يتذكر. يتذكر. مرقت سيارة امريكية بلون زيتوني موديل سنة 1956 على الشارع الأيمن الصغير، تعرض إعلاناً صاخباً يَعِدُ بقرب إنطلاق مجلة أسبوعية جديدة في مشهد هذه المدينة. قالت له ذاكرته: “صحافتنا ترفل بالفرح والحبور، وأخبار الخطط الذهبية والقرنية والألفية في ميادين الثقافة والعلوم والفنون وحقوق الانسان والحيوان والأشجار والجمادات، بعدما أنجزنا بكفاءة تحديات الاقتصاد الكواكبي”..

والآن أعتقد أنه من المناسب أن أخبركم أن المقهى يحمل إسم “ديوان عبدالناصر”، الذي يعتبره كثيرون، المكان الاكثر شهرة في الشارع الشهير المسمّى بالإسم ذاته. ومن بعيد، ظهر البرج مثل شبح راس ماموث ينحني على المدينة التي تتوزع احياؤها على ساحل البحر، حيث البرج في اقصى الشمال، بعده المقبرة الوطنية التي تفصل احياء المدينة عن السور الاول للبرج.

وقف شاب اكحل قبالتي.

ــ”بُونْسُواغْ أغْباب؟”.

ــ”صباح الخير”.

ــ”مُوهندا. انا مُوهندا، مرشدك في هذا المكان”. قال النادل.

“تتكلم عربي، موهندا ؟”.

“الحمد لله. شويَّه مَسْري. لِبناني. إراكي. وشويّه مال مُوراكو”.

“الحمد لله”.

“تفضل أغْبابْ، شُو بِدّكْ”!

داخلني شيء من الفرح، فهذا شاب من الهنود الهَنادِكَة قد تعلّم لغتنا العربية كافة، وهو يتفاخر بذلك أمامي، وربما بين يدي سواي. هذه مزية تحسب لصاحب المقهى.

ــ”اسمع يا مُوهنداس، أريد قهوة عربية. ودعني أتحلّى بشيء من الفالوذج؟”.

ــ”ما فِي كهوة أَرَبي .هَوْن فِيْ نسكافيه أمريكاني”.

“امريكاني؟”.

“yes my dear America only”ــ

ــ”كَوِيْسْ.. والفالوذج ؟.

ــ”هذا مِش أَربي. هذا مجوسي”.

ــ”شكر الله لك سعيك. عليّ بأمريكا”.

تركني مُوهنداس ـ مع إبتسامتي، أستعيد بعض أفكار”هاتلنج ــ 1”مع نفسي:”إن الصحافة تتطلب من الذين يمارسونها ألا يكونوا مجتهدين وذوي معرفة فقط، بل تتطلب منهم أيضاً، محاولة التوصل الى مستوى من الأمانة والكرامة، يتفق مع الالتزام الفريد للصحافي”.

وضع مُوهنداس، أمامي، كوب قهوة أمريكية. أعلم بحكم خبرتي في حال إمارة سيفستان أن مُوهنداس، لا يكاد يحصل على قوت يومه من مرتبه الشهري.

ــ”معاشك يكفيك ؟”.

ــ”بلي أغباب”.

ــ”مُوهنداس ؟”.

ــ”بَلِي أَغباب. كُلّو تَمامْ”.

أخذت أطالع بعض أفكار الصحافي الأمريكي: “الصحيفة الجيدة، لا بدّ أن تكون عادلة ودقيقة وأمينة ومسؤولة ومستقلة وشريفة. والحقيقة هي المبدأ الذي يجب أن تسترشد به”.

 وأخبرني حاضري: “في صحافتنا كثير من الاكاذيب والاراجيف حول حقوق الانسان وحقوق العمّال الآجانب، في المنازل، او في الفنادق والمصانع، وفي المواخير ايضا. وفي حالات كثيرة موثقة تعمل الخادمة ممرضة ومربيّة أطفال وعاهرة خصوصية، وقوادة لمُشغّلها إنْ تطلبت مصلحتها ذلك. ولكن الوزراء الذين لا يقرأون التقارير السنوية للسفارات الغربية، يقولون:”طالْ عُمركْ، كُلُّو تَمامْ”.

“يا رفيق موهنداس، كُلُّو تَمامْ....؟!”.

“yes boss. every things is OK”

كنت قد خططت لكتابة تحقيق مع مجموعة من العاملات الآسيويات والروسيات، والناطقات باللغة الروسية في المقاهي والبارات حول ظروف عملهن، بعيدا عن عملي الرسمي، واقترحت على نفسي ان اقابل اثنتين من نادلات البار الايرلندي(يقع البار الإيرلندي على ارض معشوشبة تشوبها حصباء شهباء، توزعتها بارات خشبية، تعرفت على احداهن عندما كنت مفلسا. قلت لها:

ـــ “بيرة سوداء من دون فلوس”.

 استغربت اول الامر، ولكن عندما شرحت لها وضعي المالي الصعب، قالت

ــ”في هذا المساء فقط”.

في هذا المساء، وضعت للتحقيق المرتقب عنوانا اولياً هو:”لعب البنات”. كانت الساقية الفلبينية التي اسمه اجينيفر، اوحت الي بفكرة الموضوع، بعد ان عدنا معا من زيارة كنيسة “الطوباوية مريم” مع اذان صلاة الصبح في يوم راس السنة الميلادية. كانت جينيفر تقول حينها.

 ــ”حقا، هل انت جاد يا صديقي؟”.

رفعت راسي قليلا، فرايت مُوهنداس واقفا أمامي.

 ــ”مُوهنداس، انت لا تتذكر لحظة ابتسامتك الأولى؟”.

انصرف عني ومعه ابتسامته. لم آبه لتصرف مُوهنداس وتوقفت عند قراءة هذا المقطع في كتاب الزميل الأمريكي: “إن القصص الإخبارية يجب ألا تكتب بهدف الحصول على الجوائز والمنح. ويجب تجنب المسابقات الصحافية ذات الطابع التجاري الواضح، وغير ذلك من المسابقات التي قد تنعكس بطريقة سيئة على الصحيفة أو على المهنة”.

تذكرت الان ، أن زميلا يحرر موضوعات القسم الثقافي في جريدة “المضيق”، كنت أدير معه حوارات حول الشعر الروسي ــ لا سيما عند بوشكين، هاتفني بعد أحد تلك الاحاديث:

ــ”سيدي، يُسلم عليك سعادة رئيس التحرير بحرارة، ويرجو سعادتك أن تزودني بعنوان سعادة السيد بوشكين، من أجل إستكتابه في قسمنا الثقافي”.

ناديتُ على النادل: “مُوهنداس. تعال إليّ يا أخا الهنادكة؟”.

ــ”نعم، أغباب”. جاء موهنداس سريعاً وخفيفاً.

تعرف طاغورا؟”.

ــ”حبيبي، تَبْ شَيْ مِنْ تاكور. ما في عندنا طاغور”.

دونت ملاحظة في دفتر الجيب الصغير الذي لا يفارقني. ثم رفعت رأسي نحوه.

- “Mohindas when you return back home”

- “When there is an election”

ــ”ماذا؟”.

ــ”أعود الى كيراللاّ في موسم الانتخابات البرلمانية”.

ــ”موهنداس، كم عمرك؟”.

 كانت قهوتي الأمريكية قد بردت تماماً.

“ twenty seven ــ”

في تلك الأيام، قبل أكثر من عشرين سنة، عندما لم اكن وافدا على هذه البلدة، كان الشاي حاراً. صحيح لم تكن ثمة انتخابات تشريعية في بلادي، لكننا كنا نُسعد بشرب الشاي الحار شبه المخمّر.في مقاهينا القليلة والمعروفة بأسمائها. من كرامات مقاهينا انها تتحول لحظةَ نَشاء، الى بارات نسهر فيها الليل بتمامه حتى الصباح التالي. وفي صباح يوم صيفي مضى، بعد صدور قرار الأمم المتحدة اعتبار “الحركة الصهيونية فكرة عنصرية” دعوتُ روجيه غارودي الى تناول إستكان شاي في “مقهى المعقدين”(2). وقبل ذلك، في صيف سبقه، إصطحبت أحمد بهاء الدين الى جلسة في تلك المقهى، التي ما إن رآها منح الصلح، حتى قال بصوته المرتبك:

ــ”هَيْدي أَهوي حئيئية”.

وقف موهنداس على رأسي

ــ”أغْبابْ، قهوة مالْ أمريكان، وايد هِ..لِوْ!”.

كنت قد ارتديت الزي العراقي التقليدي: دشداشة ميسانيّة، غترة بصراوية، وعقال صناعة نجفيّة.

“موهنداس.. قهوة كيريللا ّ”.

“of course like Arabic cofyــ”

 

(2)

انتبهت إلى أنه لم يكن ثمة جلاّس آخرون في “الديوان”، كما إعتدنا تسمية تلك المقهى إختصارا بعد ذلك، مجاملة للزملاء الرواد من الهنود والباكستانيين والسريلانكيين والصينيين والإيرانيين والقرقة، وبقية الجنسيات التي تربو على المائتين.

قبل ذلك، في يوم مضى، وفي حوار عابر بيني وبين موهنداس صرح النادل:

: هَيْدي كارـ خان ـ آه”. my dearــ”

ثم اعطاني مؤخرته ومضى الى مطبخه.

سمعت صوته يتردد، مع كائنات لا أعرفها، ومن أمكنة لا عَدَّ لها.

Workers of the world, awaken!

Break your chains, demand your rights.

All the wealth you make is taken

By exploiting parasites.

Shall you kneel in deep submission

From your cradles to your graves?

Is the height of your ambition(3)

 اقتربت الساعة الثانية عشرة من نفسها.

 قبل بوابة المقهى كان الوقت أبيض، لكنه ليس أكثر بياضاً وحضوراً من شمس تموز. وفي الداخل، حيث هذا الفضاء شبه الاسطواني، لا حياد أكثر وضوحاً من صوت مُوهان:

члену Коммуны Вставай, проклятьем заклейменный

Весь мир голодных и рабов

Кипит наш разум возмущённый

И в смертный бой вести готов.

صار من الواجب أن اقول أنني اخذت أنادي على موهنداس، بإسم: موهان، ربما احتراما لسمعته بين أقرانه الهنود.

ــ”موهان”.

 وصل موهان إلى طاولتي ومعه كأس فيه ماء.

ــ”ماهذا موهان؟”.

“كلّو تمام، أغبابْ.

كانت شفتا موهان تنفرجان، كما في صلاة. التفتُّ الى يميني، فشاهدتُ الصمتَ شاخصاً بين يديَّ. وفجأة خطر لي أنني ارى تروتسكي يتابط الذراع اليسرى لموهان، ويقف معه في مقدمة صف طويل من هنود كيراللا الهاتفين.

ـــ “فيفا تروتسكي”.

أخذت أُسرُّ لنفسي:

ـــ “هذا صمت يتحدث إلى نفسه. إنه صمت يعرف كرامته الشخصية”.

وكان أمامي كتاب الزميل الأمريكي هاتلنج ـ صامتاً مثل صمت الفراغ الذي يحيط منازلنا في الليالي المُرْطبة. وكان الصمت يدعوني للإقبال عليه. قرأت:

ـــ”على الصحافيين أن يتجنّبوا التصرفات غير اللائقة، أو الظهور بمظهر غير لائق. وعليهم ألاَّ يقبلوا أيّ شيء، وألاّ يسعوا وراء أيّ نشاط، قد يؤثر، أو يبدو أنه يؤثر، في كرامتهم وأمانتهم”.

هذه فكرة حسنة تصدر عن صحافي أمريكي مخضرم، كان يقوم بتصحيح مسودات كتابه هذا وهو على فراش المرض. أمريكا ليست البنتاغون دوماً، ولا هي بوش الإبن أو ريتشارد نيكسون فقط. أمريكا هي همنغواي، وألان غنسبرج، وانجيلا ديفيس، وتلك الأفواج من الشباب الضائع أيضاً.

انتبهت الى احدهم يصدر صوت اضطراب في معدته. كان”راجو”الحلاق قد أتخذ مجلسه المعتاد عند مدخل المقهى. وقد إعتدنا على صوتا من اسفله نحن الرواد العرب، مثلما تعودنا على سماع صوت المؤذن خمس مرات في اليوم. في الأذان الثالث لا يلبي احد، فيقول راجو الحلاق لنفسه:

 ــ”كلهم في الجنّة، الا انا وحيد في جهنم”.

ــ”راجو..؟ ماذا فعلت بي يا راجو؟”. عفط من اسفله مرة أخرى ثم استغرق في نومه المعتاد.

ما ان يغادر العامل الهندي مكان عمله، حتى يبحث عن اي ظل يستريح عنده. يقول موسى الكيرالّي، الذي رايته في السادسة عشرة من عمره قبل ثلاثين سنة، أي قبل انتحاره

ـــ”بابا.. بيتي هو الشارع حين اغادر كيريللا”

وفي بيروت، سنة 1970 تعرّفت إلى أمريكي في مثل عمري آنئذٍ في مقهى على البحر، وكان معي”حسين عجة”و”جان دمو”. قال لي:

ـــ “أمريكا التي في داخلي مدمّرة تماماً.ما أزال أبحث عن أمريكا في قلبي. إنها غير موجودة مع الأسف”.اً ؟”.

لم يأبه جان لسؤالي، كان منشغلا بمدّ كفه اليسرى بين فتحة سرواله من أمام، بينما كان يتحدث الى احدى الفتاتين الشقراوين اللتين جاء بهما الى شقة مؤيد الراوي بالروشة.

ــ ”اين سنرحل؟”.

ـــ”ما اعرف.. البنتان تريدان ان تشربا زبانة حشيشة”قال جان.

ــ”وانت ؟”.

ــ”ما عندي شيء اهرب منه”.

 بحثت في احد جيوب سترتي عن بقايا زبانة، فوجدت قارورة صغيرة جدا ملئت عرقاً.

ــ”أتفيد هذه ؟”.

لم يتمالك جان نفسه فأخذ يتقيأ على ارضية مقهى فيصل، بينما كان حسين عجة يواصل انتحابه الصامت

ــ”ليش ما أقدر أنام ؟”.

سمعت صوتاً يخاطبني بلغة عربية صافية:

ـــ”مرحباً بك أخي الكريم في ديوان العرب.

ــ”أنا لبناني. أردت لهذا المقهى أن يكون منتدى لكل العرب”.

وعندما دخلت إلى”مطعم فيصل” البيروتي في أحد أيام صيف 1970 كان هناك” مُنح الصلح”عند طاولته المعتادة. جلست إليه وأنا أعيد قراءة بعض تاريخ هذا “المكان” الذي شهد مولد”حركة القوميين العرب”وتيارات الفكر اليساري. وذكّرني منح الصلح بمقهى”المعقدين”في بغداد. قلت: هو جوف شبه مكعب في داخله تخوت وأرائك وصخب وفوضى تصدر عن كتّاب وفنانين في عمر الشباب. هناك كتبت قصة “اسماك مقهى السعادة”.

 عندما دعوت منح إلى ذلك المقهى، لم نجلس في الداخل.. في الداخل كان شباب ينغمرون في كتبهم، أو يعيدون كتابة قصائدهم أو قصصهم القصيرة. وبعضهم كان يتناول اقراص”الماندراكس” مع شيء من اللبن الرائب. كان ذلك صباح الحشاش، الذي لقيته في منطقة الصالحية بدمشق، ينقر بدبوس على ظهر عنكبوت إسفنجي.

ــ”صباح، ماذا جرى ياصباح ؟”.

ــ”خدعوني”.

ــ”خدعوك ؟”.

ــ”انت تعرف ما اقصد جمعة”.

ــ”ولكني أمامك الان ؟ أنظرالي”

تناولنا شاياً مثل حبرأسود، أما مذاقه فلا طعم يشبهه أبداً. ثم غادرنا الفضاء الذي يطل على”شارع أبونواس”إلى مكان بعيد. تناولتُ حبة”ماندراكس ــ 3”وأنا اقلد مشية شابلن.

 ــ”هكذا إذن؟” قال منح.

ــ”هُبّوا ضحايا الأضطهاد”.

ثم أطلقت صوتي بلغة روسية نقية:

члену Коммуны Вставай, проклятьем заклейменный

Весь мир голодных и рабов

Кипит наш разум возмущённый

И в смертный бой вести готов.

كان موكب الفريق صالح مهدي عماش، قد توقف عند الزقاق الذي يقع المقهى في ذيله. وبعد ما فرغ من تناول شايه قال ساخراً:

ـــ”الجبهة الوطنية؟ إن الذي يُقرأ هنا ماركس ً، وليس عفلق”.

ــ”لن أنسى هذا المقهى!”. قال منح الصلح.

ــ”هذه هي المرة الأولى التي أرى فيها عربياً يصطحب كتابه في هذا المقهى وغيره”. قال اللبناني صاحب المقهى.

وعندما دخلنا مقهى الدولتشيفيتا البيروتي الذي يطل على “الروشة”، انا وحسن عجّة ونحن نتأبط كتبنا، في نهاية شهر أيلول سنة 1970، تلقانا أكرم الحوراني، بابتسامة عريضة ودعانا إلى طاولته.

ــ”عراقيون !”.

ــ”نعم”.

ــ”عندما ارى عربيا يقرا كتابا في مقهى، اقول هذا عراقي”. قال الحوراني.

ــ”المقهى البغدادي، مكان للقراءة أيضاً، وهو محفل سياسي كذلك”. قال حسين.

وفي “البرازيلية” هناك السياب والحيدري وذنون أيوب، وغيرهم. وفيه طابق خاص للطلاب الجامعيين والثانويين. وفي “البلدية” القوميون والشيوعيون وضباط الانقلابات”.

وكان الحوراني يبتسم في وجهينا. وكان صاحب “ديوان العرب” باسم الوجه، بينما تبدّى لي الفضاء شبه الاسطواني، صحراءً لا حدّ لحدودها. ثم تقافزت أسماك عملاقة وصغيرة في بحيرات ذاكرتي، وتشمّستْ سباعٌ عراقية فوق ملاحف قلبي.

ــ”لا تثريب عليك، سيأتي غيري مع كتابه في صباح قابل” قلتُ للحوراني..

عند الساعة الثانية بعد الظهر، كنت أضع الشمس على يميني، سائراً في نهر شارع العروبة الذي يقودني إلى البحر. البحر هو مقهاي وميداني الذي لا حدّ له.

البحر..!

ولكن اين ولَّى النهر؟

اين هرب النهر يا جمعة، يا انت قريني.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

1ـ كتاب الأمريكي: جون. ل. هاتلنج،

2 ـ غرفة صغيرة مفتوحة من جهة واحدة، تحولت الى مقهي،

 تقع في زقاق يتفرع من شارع”ابو نؤاس”البغدادي، ابتداء من رقبته، من جهة شارع الرشيد

3 ـ عقار طبي يبحث على الهلوسة، انتشر بين اوساط رواد مقهى المعقدين في العقد السابع من القرن الماضي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* روائي عراقي يقيم حاليا في الشارقة ـ الامارات

عرض مقالات: