سكب في وجهه الماء، بحجة المزاح بعد أن قال لهم إن هذا الوجه اليابس والشاحب يجب أن يكون أكثر لينا ً وطرواة، يجب أن يكون وجها بشريا مقنعا لنا على الأقل، صمت بانكسار شديد والعبرة الحارقة تخنقه، قهقه الحاضرون، وتظاهر بأنه يضحك معهم، لكن دماءه كانت تغلي، وتكاد تنفجر من رأسه، تمنى في تلك اللحظة أن يختفي، أن يصبح حجرا أو شجرة، أو أي شيء آخر غير بشري.

لم يكن يتألم بقدر ما كان يشعر بالعار والعجز،  وهذا بحد ذاته ما يكبل الإنسان ليبقيه حبيس الزمن وفريسة للآخرين، لم يكن في حياته ما يثير للإهتمام، ولا شيء يستحق أن يسعى من أجله فمنذ طفولته عاش في كنف أب قاس يهينه ويحط من شأنه أمام الجميع، ومع أم ثرثارة تعيره دائما ً برجولته وتذكره بمنزلة أشقائه المتفوقة عليه، ولم يستطع أن يحظى بحبيبة أو صديقة تدر عليه عطفها، ليشعر أنه محط اهتمام ومسؤولية، وإنه مرغوب فعلاً، قد كان قصير القامة وعيناه ذابلتان مع وجه شاحب يميل إلى الصفرة، بحيث أنك لو نظرت إليه طويلاً، لشعرت بكل بؤس العالم يسري في دمائك، ولشاهدت الكآبة متجسدة بهيئة بشرية تلقي بظلالها القاتمة على المكان كله

ثم أن خنة في صوته أثناء الكلام كانت تجعل من أي موضوع مهما كان مشوقا ً أوجذابا ً، يبدو مملاً ومثيرا ً للأعصاب، رغم خجله أحيانا ً الذي كان يبدو ظاهرا ً للعيان؛إلا أن في أعماقه كانت تضطرب الصراعات الخفية. كل ما يحتاجه هي القيمة التي يمنحها الإنسان لأخيه الإنسان كان يشعر بحاجته إلى التقدير أكثر من حاجته للشراب والطعام، بل أن معظم أفكاره ما انفكت تدور حول هذه الرغبة وطريق الوصول إليها بأسرع وقت.

فكر أن ينتحر لكي يعاقب الجميع بموته بعد أن يثير اهتمامهم، لكنه للحظة تذكر شلة الأصدقاء في المقهى ونكاتهم السمجة التي ستكون كلها عليه وعلى طريقة موته، وعدل عن هذه الفكرة التي لم تكن تليق إلا بالعظماء والفنانين، ثم فكر أن يتسبب بإبادة جماعية للمدينة من خلال تسميم أنابيب المياه فيها بمادة قاتلة يسرقها من أحد المختبرات، واسترسل طويلا ً في هذه الفكرة وتخيل اسمه يتصدر العناوين الرئيسة في الصحف والمجلات وشاشات التلفاز بصفة أذكى قاتل في التاريخ، ورأى نفسه على الشاشة محاطا بالكاميرات والمصورين، وعلى جانبيه الحراس الذين يقيدونه بالسلاسل، حتى الهبت الفكرة حماسه فقام وضرب الجدار بقبضة يده، وبدأ يقفز كالبهلوان متألما من شدة الضربة، ثم تراجع عن هذه الفكرة التي رآها غير مجدية حتى في أكثر أوهامه صدقاً . تخيل نفسه نجما سينمائيا ً يلاحقه الصحفيون والمعجبون في كل مكان، ثم تخيل نفسه شاعرا مشهورا ً تحتفي به المنصات، ولوهلة سمع تصفيقا حارا، وبدأ بتقليد حركات الشاعر ومشيته، لكن ماذا لو كان زعيم دولة أو جنرالا حربيا؟، راقت له هذه الفكرة كثيرا التي تسمح له بالانتقام الشامل، وبدأت وجوه أصدقائه في المقهى ترتسم أمامه على الجداروالرعب يملؤها طالبين منه الصفح والسماح، ورأى حركة الشوارع والسيارات وصوره ملصقة في كل مكان، وهتافات الشعب تنادي باسمه عاش الجنرال وليسقط الأعداء، نهض مرة أخرى وبدأ يذرع الغرفة جيئة وذهابا تارة يقلد مشية عسكرية، وتارة يقف ليلقي خطابا سياسيا رافعا يده إلى الأعلى، أوممسكا ً بشاربه الكث، أراد أن يعيش الحدث بكامل تفاصيله ونشوته فوقف على الكراسي رافعا ً جسده الضئيل إلى الأعلى وملوحا بيديه، لكنه في غمرة هذيانه انزلقت قدماه عن الكرسي وسقط على الأرض.، و البلاد أيضا برمتها كانت تسقط رويدا..رويدا ..تتمزق وتتناثر مثل أوراق الشجر.مدن منكوبة، خراب وظلام، وانهار من الدماء في كل مكان . ضحك ضحكة مدوية تبعها صوت خافت ..لن يهزمك الأوغاد المجد لك أبدا ، لكن مع تلك الضحكة امتزجت دموع من عمق المأساة، جعلته يستسلم لنوم عميق، هناك حيث لاشيء سوى صمت يشق رهبة الليل، حيث القمر الوحيد يتسلل بين أغصان الشجر ويعزف لحنه الخفي.

في أحد الصباحات لم يقو على الاستيقاظ، تحسس نفسه وكأنه في صندوق كبير، وإن حجمه قد تضاءل، طرقت مسامعه أصوات عديدة وتراءت له في العتمة وجوه متداخلة مع بعضها

جاءه الصوت واضحا ً:..لقد انتهت الحرب وسقط الجنرال، سنجعل الشعب كله يغرق هذا الأرعن بالبصاق ليكون أكثر لينا وطراوة، أو على الأقل ليكون وجها بشريا مقبولا لنا، نحن  سادة البلاد الجدد، ثم جاء صوت آخر وكأنه من زمن بعيد، صوت يشبه صوت أمه

إنهض أيها الأبله الغبي ...كن رجلا أيها الهزيل، وواجه ما يدور أمامك

تذكر صفعة أبيه التي جعلته دائم السقوط

لم تكن هناك  وسيلة للهرب هذه المرة

 حاول أن ينتفض من أعماقه ...

حاول أن يصرخ...

حاول أن يغني...

عرض مقالات: