تمثل رواية(الحفيدة الأمريكية)للروائية أنعام كجه جي والصادرة عن دار الجديد في طبعتها الرابعة٢٠١٦ أيقونة لإزدواجية الوطن ومحنة الانسان المشتت المنزوع من وطنه عنوة ومجبراً ان ينتمي لوطن جديد من واجبه ان يعلن له الولاء المطلق ويشعر اتجاهه بالإنتماء والأمان الذي فقده في وطنه الأم،هذه الثيمة تضم العديد من المحاور المهمة التي تناولتها الروائية بفنية وتقنية عالية مثل(الحنين إلى الوطن والشجن وازدواجية الهوية وفقدان الانتماء وويلات الحروب وماينطوي عليها من موت ومداهمات وتفجيرات وخراب وطائفية واحلام تائهة بالحرية) واخذتنا على بساط الألم من العراق إلى أمريكا ومن أمريكا إلى العراق،تستفتح الروائية روايتها بحديث نبوي غير متفق عليه(إياكم وخضراء الدمن)لتترك القارئ أمام تساؤل من هي الحفيدة الأمريكية التي ارتبطت ملامحها لا ارادياً مع صورة الغلاف المبهرة لفتاة مُلفتة للنظر وماهي قصتها وعلاقتها بهذا الحديث لتتكشف لنا فيما بعدهويتها حيث تبدأ الرواية بصوت فتاة تصف نفسها بأنها بائسة تضحك من قشور القلب ضحكة خالية الدسم ومتقشفة في المباهج والمسرات الهاربة منذ ان عادت من بغداد وهي ترى نفسها كخرقة معصورة من خرق مسح البلاط مقهورة ومحملة بالشجن وحبتين من النومي حلو قطفتها من حديقة البيت الكبير اشتهتها لأمها التي تنشقت فيها عطر مسبحة ابيها وحليب أمها وعمرها الماضي،عادت وهي مشبعة بشجن جميل يشعرها بأنها لم تعد امرأة أمريكية عادية بل إنسانة من منبع اخر بعيد وموغل في القدم تطوي اليد على جمرة حكاية تندر مثيلاتها...حكاية(زينة)الشخصية الرئيسية عراقية الأصل تقيم في أمريكا والتي تمثل صراع الإنسان مع ذاته،تظهر شخصيتها بصورة مركبة داخل الرواية تأخذ على عاتقها سرد الحكاية بشكل متناوب بينها كـ (راوٍ) والذي يصفه تودوروف (وهو الشخص الذي يروي القصة ويأخذ على عاتقه سرد الحوادث ووصف الأماكن وتقديم الشخصيات ونقل كلامها والتعبير عن افكارها ومشاعرها واحاسيسها)والتي تمثل الأنسانة المتقبلة لفكرة الانتماء لوطن اخر والدفاع عنه و(ذاتها الداخلية)التي لم تتقبل فكرة هذا الإنتماء لدرجة الانخراط ضمن صفوف جيشه المحتل لموطنها الأصلي العراق الذي غادرته قبل خمسة عشرعاماً والعمل معهم كمجندة ومترجمة بعد ان أعلنت الـ(أف،بي،آي)بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر في نيويورك عن حاجتها الماسة لمترجمين عرب مقابل راتب شهري مجزي يكفي لان يدفع الأبناء اباءهم وامهاتهم الى ساحات الحرب والموت لاجله وليس هذا فقط بل بتفكيرها بإمكانية تقديم المساعدة لبلدها في هذه المحنة (بأي وسيلة تخدم مهاجرة مثلي لاحول لهاولاقوة دولة أمريكا العظيمة؟)ثم تعمل مستشاراً ثقافياً تترجم وتقدم المشورة بلا أي عواطف او تأثر وتشارك في دوريات المداهمة للبيوت التي يشك بأنها تأوي إرهابيين وانتقالها الى المنطقة الخضراء،علماً ان الروائية استخدمت نوع الراوي(المشارك) في السرد وهو النوع من الرواة الذي يستقبل فيه المتلقي الاحداث مباشرة من الذات الساردة التي عايشتها فيكون السرد بضمير المتكلم(أنا)وهذا السياق يقول عنه الدكتور عبد الملك مرتاض(ان ضمير المتكلم يذيب النص السردي في النّناص فيجعل القارئ ينسى المؤلف وهكذا يستطيع التوغل في أعماق التفس البشرية فيعريها بصدق ويكشف عن نواياها ويقدمها للقارئ كما هي لا كما يحب)رغم ان هنالك خلط كبير والتباس من قبل القراء بين (الكاتب)المؤلف للعمل و(الراوي) لكن لاتتشاكل الأمور بالنسبة للقارئ الفطن فالراوي اساساً هو شخصية تخيلها الروائي مثلها مثل باقي الشخصيات في العمل الروائي لكنه تميزعنا لكونه هو من يقدم العمل المتخيل ويعرضه للقارئ وكما يصف عبدالله إبراهيم في المتخيل السردي(الراوي الذي يتدخل بشكل سافر داخل الرواية حيث يفرض تدخلاته وتعليقاته ويتحكم في مصائر شخوصه) وبالتالي فأن أسلوب الصنعة الروائية في هذا العمل والطاغي هو الأسلوب البانورامي حسب تقسيم بيرسي لوبوك في مؤلفه الشهير(صنعةالرواية)أي ان الراوي مهيمناً ومتحكماً في احداث القص على العكس من الأسلوب المشهدي،فبهذا يتجلى الصراع النفسي والفكري بين الراوي (زينة) المتقبلة لفكرة الانتماء و(ذاتها) الرافضة والمتمردة على افكارها ،وبالرغم من انها الشخصية الرئيسية الا ان(الجدة رحمة) العجوز النصرانية كان لها حضورا متميزا وتمثل معها العمود الفقري للرواية دون ان يتأثر الدور المركزي لها اذ كونا معاً صورة اختلاف الأجيال فزينة تمثل الحاضر والمستقبل،والتي آمنت بان الوطن ليس هو مامكتوب على الورق بل الشعور بالأمان والراحة والانتماء لهذه البقعة من الأرض فقد التزمت بكل ماتمليه عليها بدلتها العسكرية وشعورها بالمسؤولية اتجاه أمريكا وفقدان شعورها بالعراق الذي مثل مرحلة الطفولة الجميلة التي تحولت فيما بعد الى ألم وخوف بأعتقال والدها الذي بقى عالقاً بروحها مع ان ذاتها كانت تأنبها.

وتعذبها وعلى صراع مستمر معها وتتساءل هل انا منافقة أمريكية بوجهين؟ام عراقية في سبات مؤجل؟كيف أكون ابنتهم وعدوتهم في آن ويكونوا هم في الوقت عينه أهلي وخصومي؟انها ليست عودة المشتاق لبلده ومتعطشاً لمائه وهوائه بل عودة الى ارض القتال بزي عسكري خاكي،اما جدتها فهي تمثل الام الحنونة الحاملة للوطن بقلبها فقد جسدت الانتماء الحقيقي للوطن وجذوره والحنين لعبق الماضي مع تقدم العمر ورفضها لاي شكل من اشكال الاحتلال ورفض فكرة انتماء حفيدتها من ابنتها(بتول) لجيشه وعبرت عن رفضها وصدمتها بانكشاف سر زينة امامها بعفوية ساحرة بقولها(لاوفقك الله يازينة ياابنة بتول ليتني مت قبل دخولك علي هذه الدخلة السودة)عندما داهمت بيت جدتها بحجة البحث عن مطلوبين لابعاد الشبهات عنها عندماكان هذا حلها الوحيد لرؤيتها واخيراً ماتت من الحسرة والشعور بالعار من حفيدتها الامريكية،الرواية لا تبتعد عن إطار الفكر فهي بالنهاية رواية فكرية تمحورت حول أفكار متعددة مثل استعطاف العراقيين المساكين المتعطشين للحرية التي ظنوا بأنها قادمة مع الامريكان(حتى العجوز المسكين سيعود ولداً وهو يرتشف حليب الديمقراطية ويتذوق طعم هذه الحياة كما أنا هنا)هذامافكرت به وهي ذاهبة في مهمة وطنية لتقديم المساعدة لحكومتها وشعبها وجيشها الأمريكي الذي سيعمل على اسقاط صدام وتغيير السلطة وتصوير ما آل اليه وضع العراق بعد دخول الامريكان الى بلادي وتصوير مشاهد القصف واعمدة الدخان وأطفال يعانون من الرعب لسماع الغارات وابرياء يموتون بلاذنب وجثث متفحمة واصوات مدافع مدوية وقنابل تتفجر وهلع ووجوه مصفرة تلوح للمصور بعلامات النصروجموع من الأهالي تخرج من المباني الحكومية وهي تحمل فوق الرؤوس الطاولات والثريات والكل يركض ليغنم اكثر واخيراً صارت بغداد مشاعاً لاهلها والعراق بلا والٍ،شركات توريد المترجمين التي تتضخم بخليط عجيب من المتدينين المتأمركين والمهاجر الجديد والمهاجر المعتق والهارب من ملاحقة البعث للشيوعيين، السخرية من الديمقراطية الوحيدة التي تحققت في هذا البلد في سيل من النكات السياسية المرة التي اصبح العراق بسببها مصنعاً للنكات ومئات من قصص المحششين فلكل طائفة مؤلفيها المتخصصين نكات عن السياسة والسياسين وكل من يتبعهم فالكل متساوٍ تحت عباءة النكات التي كانت تنطوي عليها رسائل صديقها المقرب (كالفن) عبر (اللابتوب)، تقع زينة التي تمثل بلدها الجديد أمريكا في حب(مهيمن) ابن طاووس جارة الجدة رحمة واخاها بالرضاعة الذي يمثل صورة العراق متناسية كل ماله صلة بالاخوة والدين فيشكلان علاقة مبنية على نقيضين وهنا تبرز روحية الوطن الجديد امريكا التي لاتعترف بمثل هذه الأشياء وهذه الأعراف والتقاليد ثم تتساءل (هل احببته لصفاته ام تحدياً لقدرتي على الاقتراب من خصومي؟) فهي لا تؤمن بالحليب الذي يؤآخي الغرباء ولا بالاستحرامات التي تفسد الصبوات،واخيراً من قال ان الحرب نزهة؟هاهو الموت كماوصفته(يصل الى حافات اسرتنا ويزرع تحت المخدات والاقدام…)الموت يزحف ويقترب ويلصق الشرائط السود على أسماء تعرفها كانت تتقاسم معك وجباتك على نفس المائدة،انتهى العقد مع الجيش ولم تحزن على انتهاءه بل عادت الى (ديترويت) كائنا منشطر الكيان الى نصفين بين وطنين العراق وامريكا لكل منهم مكانة في قلبها وذاكرتها محملة بالشجن والخيبة،استطاعت الكاتبة بأسلوب سلس وقريب من القلب لا يخلو من خفة الدم الآسرة باستخدامها لمصطلحات عامية من قلب اللهجة العراقية ومزجها مع الفصيح ان تجسد الحياة المرسومة بوعود الحرية الكاذبة وأمل الحياة الأفضل التي حملها الاحتلال ولوح بها عند دخوله إلى العراق ولم يمنحه سوى الزيف والكذب والمهانة وكيف ان كذب الساسة قد يورط شعوب جاهلة بأكملها وادخالها في مطبات تاريخية لا يرغب بالدخول اليها ولم تخطر في باله يوماً ويبقى التساؤل هل اخذ العراق حريته؟هل زرع الامريكان الديمقراطية؟ تنتهي الرواية بعبارة (شلت يميني اذا نسيتك يابغداد)تشير الى التغير الحاصل في شخصيتها بعد عودتها من العراق وكلمة اليمين تشير لليد لا للقلب وهذا يوضح عدم مقدرتها على التخلص من وطنها الثاني الذي تشعر بالانتماء له ... ولم تجلب الهدايا ولا التذكارات فلا تحتاج بعد اليوم لما يذكرها بما حصل ومر بها وما شهدته من احداث.

عرض مقالات: