توفي والده قبل يومين، وظل لا يأكل ولا يشرب. ان موت الوالد أحدث جرحاً لم يندمل بسهولة، لكن ما أراه على وجه أحمد غير ذلك.

احمد يفكر بالمسؤولية الجديدة التي لم يحسب لها حساباً. ليس موظفاً ولا يملك شهادة ولم يرث عن والده إلاّ عدة العمل. فكيف يوفر لقمة الخبز لأربعة افراد من عائلته؟

قلت له صحيح. لا نرى نوراً في نهاية النفق، لكنه نفق، لابد ويكشف عن نور. ردَّ قائلاً:

- أخشى ان يكون نوره كالنور الذي تسعى إليه الفراشة.

- لا تكن متشائماً. وشمر عن ساعديك غداً من أجل أطفالك.

أراك متعباً هذا اليوم أكثر من الأيام السابقة. سأجهز لك الحمام، استحم ونم.

- بعد غفوة قصيرة عاد لي صفاء ذهنه، وتخلص من أوجاع العمل، لكنه أشعر بعدم القدرة على مواصلة العمل كعامل بناء.

- اليوم اتصلت بي بنت خالتي (أم خيرالله) وأخبرتني انهم اشتروا بيتاً في المنصور، وطلبت مني أن أجد لها خادمة بأسرع ما يمكن. أخبرتها عن معاناتك كعامل بناء ورجوتها الطلب من زوجها توظيفك في شركته.

صمتت لحظة ثم قالت:-

- نحن بنات خالة، وأنا أعزك أكثر من أخواتي، أرجو أن لا يزعجك قول الحقيقة.

زوجك لا يصلح موظفاً في الشركة، لسبب بسيط جداً، زوجك رجل مستقيم، لا يعرف الغش ولا الخداع. وعليك ان تعلمي ان كل موظف في الشركة هو ذئب بجلد شاة. وواصلت قولها بالسؤال

لماذا لا تفكرا بعمل آخر مناسب لأبي نادية؟

- فكرنا. ولكن كما يقول المثل العين بصيرة واليد قصيرة. العمل الجديد يحتاج مالاً، وأنت كما تعلمين، نحن لا نملك شيئاً.

- سأوفر لكم المال الذي يتطلبه العمل الجديد، وتسديد المبلغ لا يتم إلاّ بعد تحسن حالتكم المعاشية.

- شكراً لك.

- اسمع يا أحمد، لم يبق علينا سوى تحديد العمل المناسب لك. هل فكرت بنوع العمل؟

- لا والبركة فيكِ.

- ما رأيك في بيع اللبن؟ وأنا ماهرة في صنعه تعلمت المهارة من والدتي.

- لم لا؟ عمل غير متعب.

بعد ثلاثة ايام أصبحت عربة نقل اللبن جاهزة للاستعمال وتستوعب سطلين محكما الاغلاق، يتم سحب اللبن منهما بواسطة انبوب بلاستيكي يفرغ من الهواء بجهاز خاص. إذن غداً سنباشر ببيع اللبن.

- وهو كذلك.

خرج أحمد بعربته صباحاً متجهاً نحو ساحة التحرير التي تبعد عن البيت في البتاوين 300 متر.

- انتظرت عودته حالمة. الطفلان يقفان على عتبة الباب وعندما شاهدا والدهما يدخل شارعنا، أسرعا إليه وأخذا يدفعان عنه العربة. بعد التحية قلت له:

أراك كنمرٍ شبع من فريسته، هادئاً مطمئناً.

- لقد صدقت يا أم نادية، حصلت على مبلغ من بيع اللبن لم أتصوره وفي مدة قصيرة. ولو أتت الأيام المقبلة مثل هذا اليوم لأصبحت مطمئناً على مستقبل لا فقر فيه ولا جوع.

اشترينا ثلاجة ولأول مرة شربنا الماء البارد، ودخلت الفواكه بيتنا وجددنا ملابس اطفالنا، واشتريت بنطال كاوبوي الى احمد وقميص أبيض وجددت بعض ملابسي. وذات يوم وبعد ان تجمع لدينا مبلغ لا بأس به قلت لزوجي اسمع يا احمد: أحلم بقصر في مناطق بغداد الراقية وسيارة مع سائق ينقل الاطفال الى المدارس وأريد خادمة وذهباً، وأشتري لعبة لنادية ترقص وتغني، ودراجة هوائية الى أخيها.

- حلمت بالكثير!

- ما طلبته ليس بالكثير وليس من طموحات العائلات الراقية، قل لي هل طلبت هل طلبت ان نقضي فترة الصيف في دولة أوربية، أم نشتري بيتاً؟ لماذا تستكثر عليَّ أحلامي. هل ستدفع عنها ثمناً، هي مجرد أحلام.

- سأطور عملي وأحقق أحلامكم.

- تذكرت يا أم نادية، صدور نداء من منظمات المجتمع المدني وشباب ساحات التظاهر والاحزاب الوطنية والقوى المدنية يدعون الى التجمع والتظاهر في ساحة التحرير في 25/5/2021 استنكاراً لمقتل ايهاب الوزني، علينا ان نحضر أربعة سطول لبن لأن الساحة ستكون مكتظة بالمحتجين.

- في اليوم المحدد خرج أحمد الى ساحة التحرير كالمعتاد، وعندما تأخرت عودته قلقت عليه وذهبت الى ساحة التحرير مع أطفالي. سألت عنه قالوا عندما دخل مسلحون وأطلقوا النار على المتظاهرين واخترقت رصاصة رأس بائع اللبن.

وما هي إلاّ لحظات معدودة حتى سرتْ في جسمي عاصفة الانتقام، وتحول الصراخ الى تهديد ووعيد. سأنتقم من قتلة أحلامنا وأعادوا حياتنا الى الفقر والجوع، سآخذ بثأر زوجي.

لن أعود الى بيتي.

من الآن بيتي ساحة التحرير

عرض مقالات: