لحظات ثقيلة اختلط فيها الليل مع النهار. اسبوعان وكأنهما سنوات. أكثر من عشرين رفيقا حُشِرنا وها أنا الان وحدي، وُبُّت أُمَيِّزُهُم فقط من صراخهم وتأوهات التعذيب. ذلك الباب الحديدى الصديء.. كم أكرهه. كم اشتاق إلى باب بيتي وصوت المزلاج عند دورة مفتاحه. زوجتي واطفالي.. ما أحلى كركراتهم ونظراتها العطشانة لرؤيتي. ولا أدري.. هل ارى طفلي الذي ننتظره أم سَيُحْرَمُ من أبيه وإلى الأبد؟ ربما لن أراه أبدا. لا لا.. لأتفاءل. إلى الان لم يثبت شيء قاطع ضدي. مجرد منشور يحرض ضد الظلم وكبت الحريات. لم اوزعه أنا.. أجل.. لقيته .. لقيته مع العشرات مغطية الزقاق. ساصر على إفادتي واحمد الله انني فقدت الوعي وانا معلقٌ ويدايَ خلف ظهري. يا إلهي كدتُ على وشك الاعتراف ولكن كيف سأواجه رفاقي بل ماذا سأُبرر وأنا انظر لنفسي في المرآة؟ وأطفالي عندما يكبرون.. زوجتي وأُمي إن بقت على قيد الحياة؟

احتمالات لاتهدأ تدور في رأسي. الضربُ والرفسُ والتعليقُ ما عاد يشغلني فقد اعتاد جسدي عليه.. أصبر واتحمل ساعة لا أكثر ويبدأ جسدي بالخدر، وأنا معلق كاتما انفاسي منتظرا لحظة استراحة جلادي وهدوء انفاسه. وطالما سخرت من تلك الافتراضات التي استغربتُ منها إثناء قراءاتي المتواصلة والمجنونة لكتب الفلسفة وعلم النفس بأن الجلادَ يشعر باللذة عندما يستمر بتعذيب السجين. أيقنت الآن أن ما قرأته صحيحا فلم استغرب لشدة انفعالة وهو يهيل اللكمات على وجهي وكانني كيس تدريب في ناد للملاكمة حيث النشوة التي تورِّدُ وجنتيه وتزم شفتيه وهو ينفث دخان سيكارته بوجهي، ليطفِئُها بصدري ويمسح بعدها يديه ويأكل وجبة الغداء بكل شهيةٍ وأنا أتأرجح ملطخا بدمي.

 وكانت فرحتي لاتوصف عندما رفسني بقوة لأسقط أرضا وسط غرفة واسعة تتوسطها منضدة عريضة مع بعض الاضابير المرتبة بينما توزع البعض الاخر امامه. يا إلهي رفاقي.. كلهم على قيد الحياة. نظرت اليهم، فلم أشعر بنظرات مكسورة خجلى وانما اصرار وثبات وصلابة.

شعور بالزهو والفخر توغل لأعماقي وأنا أختلس النظر اليهم. تلمستُ أثر الرفسة التي آلمت عامودي الفقري كثيرا. خلية منسجمة وأنا أصغرهم. أكبرنا الرفيق “أبو سلام” وكان غالبا ما يمزح معي ويناديني “جدو”. خطَّ باصبعه باللون الأحمر “ جملة “وطن حر..”، لكنه لم يكملها. إنشغلنا به لحظات، وعندما فاق من غيبوبته كان الدم الذي بصدره قد نشف.

- وأنت أبو النظارات المكسورة. إسمك واسم ابيك النذل الذي خلَّفك؟ وأنت أبو عين المنفوخة وأنت وانت وأنت..؟

أما تخجلون .. تتآمرون على الحزب والثورة ونحن في حرب لمدة أربع سنوات مع العدو.. هل هذه الغيرة العراقية؟

- نتآمر؟ قال الرفيق “محمد” وهو يمسح زجاج نظارته المكسورة. وماذا بإمكاني أن أعمل وأنا موظف بسيط؟

- إخرس. لا تتكلم إن لم أسمح لك. وبدا المحقق في أوج غضبه. وكنت اختلس النظرات ولا أدري كيف مرت اللحظات التي زادت رهبتها وانا أقرأ لوحة كتب عليها باللون الأحمر؟ “وطن تشيده الجماجم والدم  تتهدم الدنيا ولا يتهدم”. وجاءت لحظة الحسم.. صوت غاضب وقرار في منتهى الغرابة.

- ملازم سعد!

- نعم سيدي..

- هذا الخائن الذي بالوسط. عبد الله زكي والذين على شماله. إعدام شنقا حتى الموت .

- تؤمر سيدي.

- والإثنان معهم جهة اليمين إعدام شنقا حتى الموت. أما هذا، وأشار بسبابته عليَّ. خمس سنوات بالحبس مع الاشغال الشاقة. خونة خونة.. سنقطع أنفاسكم. ولن نسمع بعد الآن  : “وطنٌ حرٌ وشعبٌ سعيد..”.

لحظاتٌ قاسية مرت وأنا أسمع قرار إعدام رفاقي لكن علامات الارتياح عليهم بدت عند سماعهم قرار الحكم عليَّ. خرجتُ متلمسا جمجمتي. سنون قاسية مرت، ومحاولة بناء وطني بالجماجم وفراق رفاقي كان أشد قسوة، لكن عذوبة تلك الكلمات التي اعتدنا ترديدها وجذوةَ ما نُقشِ على الصدور وأزعج الجلادين بقيت متوهجةً إلى الأبد.

ــــــــــــــــــــــــــــ

*علي البدر/ قاص وناقد ادبي وتشكيلي

عرض مقالات: