لم يكن سهلاً على روائي الامتداد الفني من عتبة اولية ويلاحق سيرورة الشخوص ويلملم التحولات المادية للمجتمع ويشخص توتراته المتمظهرة عن الحروب والقسوة ، كاشف وسط الانارة دنيوية ما حصل فيه من تطورات، ملتقطاً التغيرات الكبرى وكأنها منعكسة على سطوح المرايا . كل هذا له تأثير جوهري على الاختلاف بين الشخوص وتناقضات المشاعر الانسانية وسط الخنادق والخوف وكتابة الرسائل والمذكرات بالإضافة الى اليوميات التي تحولت ارشيفاً مجتمعياً وانا اقترح ضرورة ايداع هذه الرواية في ارشيف الحرب لدى كل الجنود والمقاتلين بمتحف خاص ، فهي مثلما اتضح لي عبر روايات فلاح رحيم خزان الموت والتعطل حتى تمركزت الحرب في روايات فلاح ولن تغادرها في آليته الخاصة ، واستطيع ان اطلق على ذاكرة الحرب ومدوناتها باعتبارها سياسية ثقافية للتكرار كما ان فضاء السرد الهائل لا ينفي التأصل الذاتي وخواص الروائي وتحولات الانا / الذات ومستويات علاقته مع الاخرين .

ومن خلال متابعتي الدقيقة نفذت خطة رسائل ممسكة بالأنطولوجية كاملة وبغير تفريط الارشيف الكلي الذي سيكون وهو افتراض يحتاج مؤسسة لن يكون متوافقاً ، بل متبايناً ومختلفاً لان الرؤى بالغة التنوع وهذا التمثيل يفضي الى خلاصات سوسيو ثقافية وشطحات الذات ومجاعات الجسد وآليات التفكير بالإشباع. وكل جندي مثقف مثل فلاح رحيم قادر على انجاز ارشيف او يوميات لها تميزات تنفرد فيها على الرغم من تسيد التشابهات بسبب الظروف الموضوعية والعسكرية . لكن ما يفيدنا كأرشيف ( افترض اكتمال تنظيمه ) مساعد مركزي في دراسة دنيويات النصوص ترشح عنها المكونات الثقافية والاجتماعية والسياسية .

رواية فلاح رحيم “الشر الاخير في الصندوق” هي باختصار شديد سرديات الحرب وكوارث تبدت وصراعات وانكسارات عرفتها وهروبات وتعطل سرديات بين المذكر والأنثى مثلما حصل بين سليم وهدى التي امتدت منذ حبات الرمل . هذا الامتداد السيروري للشخصية يعني لها عمق وعناصر ثقافية . انه جزء من التاريخ وغياب الولاء عقدة السلطة .

جزء من تاريخ الأنا / النحن ، تاريخ لاذ بالسرد واكتفى به ، حتى ممكن أن نعيد فحص التاريخ وكيف يكون وسط ظروف صعود مهيمنات السلطة وخطابات قسوة مؤسساتها الامنية والعسكرية .

“ الخطاب هو نظام من البيانات بوساطته ومن داخله يمكن التعرف على العالم . إن فكرة فوكو عن الخطاب هي مساحة من المعرفة الاجتماعية محددة على نحو شديد من دون أن يشير الى ( الكلام ) بمعناه التقليدي . فالعالم عنده ليس موجوداً “ ببساطة للتحدث عنه ، بل هو بالأحرى خطاب يمكن للعالم أن يوحد بوساطته . وفي مثل هذا الخطاب يتوصل المتكلمون والمستمعون والكتاب والقراء الى فهم لأنفسهم وعلاقاتهم بعضهم البعض وموقعهم في العالم “ بناء الذاتية “ أنه تلك العقدة من العلاقات والممارسات التي تنشئ الوجود الاجتماعي والنتاج الاجتماعي ، والتي تقرر كيف تتحدد شروط التجارب والهويات / بيل شكروفت ، بال اهلواليا / ادوارد وسعيد / ت : سهيل نجم / وراقون / الرافدين / 2016/ ص55.

ما الذي تبتكره الاسماء السردية المعاودة ظهورها ثانية وثالثة . ما هو هذا الخلق وما فيه من طاقات . هذا التساؤل مرآة مكونة من كسرات يهواها فلاح ويلعب بها ومعها ، يرى كل من عرف متجدداً ومتكرراً متميزاً بانطولوجيا محافظة على سيرورة ناطقة . هو لا يكتب لمتعة القارئ وانما لشحن العقل بالوعي وتحفيزه لاقتراحات او حوارات المنظومة الاجتماعية ، استمرار الكائنات بانطولوجياتها المتباينة مماثلة لانقلابات وجدال عنيف لابد وان يفضي لصدامات يجب أن تؤدي الى تحولات تنتجها الثقافة والسرد جوهر هذه الثقافة . ومثل هذا التكرر لا يكتفي بالاسترجاع والاستعادة وانما يغامر بالتخليق ، زرع بذرة خلية مجتمعية ، حتما بتكرر تدريجياً ويكون لها نصيب على الرغم من ان القرد هد حيل ام سليم وغاب كريم عن فعل ختان طفليه وهما يبكيان وهما يعيشان لحظة العبور الحياتية ، وموت حارث من غير عقب وتعطل هدى كلياً . مثل هذه السيرورات هي التي تخيلها السرد وقادها . وقادها وسيلة تحريضية ، تعطل علامات وتحرك اخرى هادئة لا احد من الطرفين يعرف الى أين تمضي روايات فلاح رحيم حافلة بثقافة الحضور والتنافر مع كساد الماضي والعمل على تعطيله ، لان عودة فلاح لسرديات الماضي لا يعني بانه ميال لتكريسه والعمل على حضور انبعاث مستحيل ، هو يستحضر ما تمجده الافراد الاناث والذكور صحيح ان خطابات السلطة وقسوتها تعطل كلياً فاعلية الادب وطاقة السرد الذي صار موروثاً ثقافياً واجتماعياً فالأنثى منحها فلاح نوعاً م القداسة الشفافة ، هي شفرة يخاطبها ويتعامل معها المذكر هنا القوة الثقافية القادرة على تسريع ثنائية الحوار بين خطابين الانثى والمذكر ، يذهبان نحو تجديد الحياة وقيادة العقل لها . لكن تعطل العقل يصعد الحرب ويوقف حلم الانثى بتحقق ما تحتاجه وتريده والانموذج المعطل هدى وعلياء وام سليم وعت وادركت بانها تعبانه لان القرد هد حيلها . هذا تمظهر للجنون والفاشية . وجود الحرب يفترض سيكون الادب والسرد وغياب من يتبنى الحكي ، وهذا امر مستحيل لأنه يعني استدعاء حكايات الليالي وشخصية شهرزاد بسيرورة التقطها فلاح وغذاها بالفكر والمعرفة ، وتكرار هذه الوقائع ذكاء فلاح ليؤكد بأن الحياة متجددة بالانبعاث لان السرد باق وحيوي ويلتقط الرجال والنساء .

قال جونان كولر :

القيم القديمة لم تعدُ تنتقل ، لم تعد تتداول ، لم تعد تؤثر لقد فقد الادب قداسته ، والمؤسسات عاجزة عن الدفاع عنه وفرضه باعتباره النموذج المضمر لما هو انساني يمكن القول ان المسألة ليست ان الادب تم تدميره ، انما بالأحرى لم يعد يحظى بالحماية / جونان كولار / رولان بارت / قدمة قصيرة جداً / ت : ساطع سمير فرج / دار كلمت ، همداوي / مدينة نصر / 2012/ ص118// لذا فان هذه هي اللحظة المناسبة للتحرك من اجل سيادة الادب فالحياة لا معان لها بغيابه والمحكيات تضع الحياة على سكة الانتظام والتوجه نحو المستقبل ، ساحبه حاضرها وهي تتقدم .

عرض مقالات: