ثمةَ اسئلةٍ نريدُ الاجابةَ عليها، اجدها مركونةً تارةً في رفوفِ الجبنِ والانهيارِ ،وطوراً تأخذُ التلونَ والانحطاطَ الذي يتعدى المستوياتِ لصنوفِ الثقافةِ وثمةَ اسئلةٍ تنتظرُ الاجابةَ بشجاعةٍ عن دورِ المثقفِ في استنهاضِ روحِ الوثبةِ والثورةِ على التخلفِ. ثم ما هو المستوى الثقافيُ والفكريُ الذي يجب ان تتوفرَ فيه صفةُ القبولِ والرضا ضمنَ التقييمِ الجمعي السوي وأيلاءِ الانتباهِ لما يستخدمهُ المثقفُ في مهنتهِ او الحظوةُ بشرفِ الموقفِ الذي يجعلهُ قريباً الى منصةِ الصدقِ وبالتالي خروجهُ الى الشارعِ دونَ ان توجه له سهامُ التهمِ بالانهيارِ لحظةَ التقادمِ الزمني على وفقَ رؤياهُ ومحورهِ الفكري بالالتزامِ بناصيةِ الموقفِ الذي جعلهُ موسوعياً نهضوياً صقلتهُ الادبياتُ والمواقفُ اللصيقةِ مع البنيةِ الثقافيةِ الامميةِ التطلعِ.

اذن نحنُ امامَ اراداتٍ مفعمةٍ بالتعدديةِ الفكريةِ وان كان لا ضيرَ في ذلكَ لكن الضيرَ ان تجدَ وتبحثَ عن المعينِ النهضوي الذي يرتقي بهِ المثقفُ دونَ المرورِ بمرحلةِ العبثيةِ وتعددِ مواقفهِ. ومع ذلكَ هناكَ تجاربٌ صامدةٌ خلقتْ مستوياتٍ للثقافةِ العربيةِ الحاضرةِ وسميتْ حقاً حاضرةً لانها كشفتْ ترهاتِ الماضي الذي توكأَ على عصا الادبياتِ الغيبيةِ او ادبياتِ التواترِ والنقلِ دونَ تكليفِ النفسِ بفحصِ ادبياتِ المراحلِ الغابرةِ بل ظل محتفظاً بها تحتَ طائلةِ الاخذِ منها ضمنَ السياقاتِ الارثيةِ الابويةِ بلا عناءٍ لاستخدامِ العقلِ وامكانيةِ الرفضِ في مناطقَ معينةٍ او لحظةَ التجددِ الفكري ومن ثم الانهيارُ مجدداً في مناطقِ الوصوليةِ والانتهازيةِ والتلونِ بثوبٍ ربما يجدُ له مبرراتٍ.

ومع ان هذا الموضوعَ شائكٌ ونحنُ نجدهُ في مجتمعاتٍ من دونَ ان نراهُ في مجتمعاتٍ اخرى وهذا يأتي من ضعفِ الارادةِ او القدرةِ على التمسكِ بماهيةِ المعطياتِ الفكريةِ، ولو قدرَ لنا البحثَ في عيناتِ الوجودِ الثقافي لتوصلنا الى كمٍ هائلٍ من الانهياراتِ التي عاشتها الثقافةُ او عاشها المثقفُ حصراً.

وهنا سيأتي من يقولُ نعم ان هذا الواقعَ المسخَ تتحكمُ فيه الظروفُ الموضوعيةُ التي تؤدي الى حالةِ فقدانِ المثابةِ الرصينةِ للمثقفِ.

لقد علمتنا التجاربُ العالميةُ ان مخاضَ الثقافةِ والسبرِ في اغوارهِ قد يتأتى (رأيٌ) من طبيعةِ الصراعِ  المجتمعي او الطبقي. والذي يوفرُ القاعدةَ العريضةَ لانبثاقِ المفاهيمِ الفكريةِ والادبيةِ.

واذا كان العراقُ قد عاشَ فتراتٍ وجودةٍ سيما القرنَ الاخيرَ وبداياتِ القرنِ الجديدِ نلاحظ ان حالَ الثقافةِ مرَّ عبرَ هذه المراحل:

-1 ولادةُ الحداثةِ

-2 القواعدُ الفكريةُ الجديدةُ

-3 الغرفُ من معينِ الثقافاتِ الاجنبيةذ

-4 التحررُ من قيودِ الماضي والانتقالُ لمراحلٍ جديدةٍ

-5 التمحورُ الفكريُ حولَ الايديولوجياتِ الماركسيةِ والقوميةِ والعروبيةِ

وما يهمنا هو الى اي مدى استطاعَ المثقفُ ضمنَ هذا البنيانِ من الثباتِ على اختياراتهِ الادبيةِ والتي لا مناصَ من انها ولدتْ من رحمِ ايمانهِ الفكري.

والسؤالُ هو الى اي مدى استطاعَ المثقفُ الثباتَ والتصديَ لمتبنياتهِ الفكريةِ. والحالةُ هذه تخضعُ لعدةِ ظروفٍ منها تضخمُ الوعي والاستقرارُ النفسي والاختيارُ بعدَ تمحيصٍ ودراسةٍ ورصانةٍ وهذا ما يجعلهُ اكثرَ ثباتاً على الرغمِ من تعرضهِ للاضطهادِ والعنفِ السلطوي.

ومن المؤثراتِ اليوميةِ في حياةِ المثقفِ التزامهِ بتيارٍ فكريٍ معينٍ وهذا ليس عيباً ، لكننا ازاءَ عمليةِ الانتقالِ من تيارٍ الى تيارٍ ومن ثمَّ ممارسةُ النقدِ او الدخولِ في صراعاتٍ مفتعلةٍ باعثها احياناً العبثيةُ او الاستعلاءُ والنرجسيةُ وهذا متأصلٌ لدى المثقفُ العراقيُ. اذ اثبتتْ الحياةُ هذه التنقلاتِ مع مصاحبةِ عمليةِ الاساءةِ احياناً حتى للمبادئِ التي غرفَ من معينها وصار ناطقاً بلسانِ حالها لكنه سرعانَ ما تداعى تحتَ مختلفِ الظروفِ وكما في الانهياراتِ تحتَ طائلةِ التعذيبِ السلطوي او كما حدثَ في مرحلةِ سياسةِ الترهيبِ والترغيبِ في ظلِ مرحلةِ صدامٍ والتي انهارتْ فيها مئاتُ الاقلامِ النقيةِ وراحتْ تبجلُ فاشيتهُ المجرمةَ او مواقفِ الوصوليةِ او الانتهازيةِ. ولدينا ما كانتْ تثبتهُ تلكَ المواقفُ حيثُ الصحفُ والكتبُ والمقالاتُ والقصائدُ ما زالَ حبرها طرياً وما زالتْ عفونةُ الخاكي الذي ارتداهُ البعضُ وتبجحَ في جلوسهِ بالصفوفِ الاولى كي يسارعَ لالقاءِ قصيدةٍ او ربما كتابتهِ لاغنيةٍ يظن انها تحظى بمباركةِ الطاغيةِ.

وعن ماهيةِ المثقفِ الفكريةِ ارى ان هناكَ ثوابتَ تجعلُ من المثقفِ بمنأى عن التصويبِ الخطأ على اننا لو اردنا فحصَ الواقعِ لوجدنا:

-1 مثقفاً له كلمةُ شريفةُ نقيةُ امتدتْ به من بواكيرِ حياتهِ تتمثلُ في النطقِ بحياةِ الناسِ ومحبتهم والغوصِ في اعماقِ الانسانيةِ ويكون هو جزءاً من هذا الامتدادِ صامداً مكافحاً ضدَ الظلمِ اياً كانت اشكالهُ.

-2 (مثقفاً) تهزهُ الاعاصيرُ فينتقلُ من هنا وهناك مبرراً لهذهِ الحالةِ بطرقٍ عدةٍ.

-3 (مثقفاً) انهارتْ به القيمُ وما عادَ بمقدورهِ الثباتُ الفكريُ وامتلاكُ الحصانةِ وعدمُ قدرتهِ على البقاءِ ولو متفرجاً على ظلمِ الواقعِ وواقعِ السلطةِ.

-4 (مثقفاً) اخذَ يؤمنُ باحزابٍ متطرفةِ الفكرِ او احزابٍ دينيةٍ تأسستْ بالاصلِ على معاداةِ الحياةِ المدنيةِ لا بل بعضها مارسَ القتلَ والارهابَ وهو في ذاتهِ يؤمنُ انها احزابٌ اجراميةٌ (داعشيةٌ ).

-5 (مثقفاً) لم يستطيعْ الثباتَ على ماضيهِ الفكري والسياسي حيثُ تراهُ يتحدثُ ويدافعُ تارةً عن طائفيتهِ بشكلٍ مقيتٍ، ولنا في الساحةِ الادبيةِ امثلةٌ لهذهِ النماذجِ الان ومراحلُ سابقةٌ ولاسماءَ للاسفِ اخذَ بريقها في مرحلةٍ ما بالانتشارِ.

ورغم طبيعةِ الوضعِ المعقدِ في العراقِ الا اننا نرى ان هناكَ ادباءَ وشعراءَ وكتاباً في بلدانٍ اخرى استطاعوا الصمودَ والبقاءَ مع الكلمةِ صورةً وصوتاً.

على اني اودُ الاشارةَ الى ان المجتمعاتِ ذات الافقِ الثقافي المدني المتماسكِ وحدها توصلتْ الى صناعةِ انظمةٍ من خلالِ خطابها المفعمِ بالصدقِ والانسانيةِ.

نعم استطاعتْ حقبةُ البعثِ وصدام احتواءِ المئاتِ من الاقلام وغيرتْ فيها الطباعَ فهي دعوةٌ للبعضِ من الاعترافِ بفاشيةِ تلك الحقبةِ الدكتاتوريةِ. والانطلاقةُ المطلوبةُ تتمثلُ بالاستفادةِ من التجربةِ (النيلسون  مانديليه) والبدءُ بمرحلةِ المقارباتِ الانسانيةِ وصناعةِ قلمٍ جديدٍ يبحثُ في تغييرِ واقعنا الرجعي المتخلفِ واخراجِ البلادِ من نزعاتها التي اصطفتْ مع خطاباتِ العمالةِ وبشكلٍ دائري.

ان الدعوةَ للخطابِ الثقافي الموحدِ على الوطنيةِ وتحريرِ البلادِ وحدهُ يصنعُ لنا ثقافةً متميزةً تبتعدُ عن خطاباتِ مراحلَ هدمتْ اركانَ الواقعِ، وعلينا التصدي وكشفُ زيفِ هذه المرحلةِ والابتعادِ عن الاصرارِ على المناكفاتِ والصراعاتِ السابقةِ والتي لم تأتِ لنا الا بعواصفِ التتارِ والموتِ والدمار.

عرض مقالات: