تعد فنون التشكيل اكثر الفنون تفاعلا واستجابة لأي جديد متمرد متحول عن سياقات التقليد، ولفنون التشكيل ايضا، نماذج صريحة تشي باختلافات واضحة. ولنا تجربة تمييز بين عصور النحت تتمثل في منجز مايكل انجلو الشديد الاختلاف مع ما قدمه جياكومتي.. وكذلك الفروق التي تفصل شكليا بين عصور الرسم باختلاف اساليب من يمثلونها على امتداد تاريخ تلك العصور بدينامية متغيرة لا تجمع بين مراحل تطور رامبرانت وفيلاسكيز مثلا وبين ماتيس وشاجال..  فلكل حداثته واسلوب فهمه وتطبيقه لها. وللحداثة في العراق اعلام كبار تركوا لنا آثارا بالغة الاصالة في فنون النحت والرسم ... وهم وريثو حضارة عريقة عرفوا كيف يستلهمون روحها ليتركوا شواهد ملأت عيون التاريخ وذاكرته.. وأذا ذكرنا جواد سليم ومجايليه ممن تصدر قوائم طويلة لأسماء لامعة امتد اثرها ليصل الى جيل من شباب العراق - ومنهم الفنان ضياء مهدي - وما قدموه من أعمال فارقة انفردت بخصائص فاقت الكثير مما قدمه آخرون .. تميزت بغرائبية مدهشة وجرأة في مجاوزة التقليد والتحول مما يجعلنا نفخر بهم وهم يمثلون امتدادا لمن سبقهم وقوة استيحائهم لتراث جددوا فيه روح الابداع مما وضعهم في مستوى ان يكونوا اندادا لهم مع الاعتراف بفضل ما قدموه لهم من موروث افادهم في تحديد هويتهم الابداعية .. وهم يرصدون بفاعلية وحماس ما وراء الواقع وكشف مظاهر دلالية خاصة لعوالم تستلهم اعماق التاريخ لبلدهم ورموزه، عبر مقتربات تجعل المتلقي يشعر بروحها وتحولاتها الشكلية فضلا عن ما تحويه من مضامين تدل على انتمائهم لتراث عريق ابتدأ به الرواد واكملوا هم مشروعهم مع فعل تحديث تفاعل ومتغيرات جعلتهم اكثر معاصرة لواقعهم على الرغم من نزوعهم الى ما هو مختلف، والشواهد تدل على انجازهم بين عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي والتي تملأ أروقة وساحة معهد الفنون – بغداد، حيث اثبتوا انهم جيل متغير مبتكر، وفي لتجربة فنان عاش ذلك الظرف بكل تفاصيله هو الفنان ضياء مهدي واسلوبه في تحريك المشاعر والوصول الى المتلقي والى حالة التأمل والتفكير لأن اعماله تثير أسئلة اكثر مما تقدم أجابات .. وهذا دفعه الى الميل لأن يكون مختلفا ليس بمعنى التقاطع بل لطريقة فاعلة للتواصل مع كل متغير مهما كانت غرابة اتجاهه عكس السائد من التقليد حيث يسعى لتحقيق مستويات تجاربه في التحديث والتي تفصل بين الشكل ودلالته وتحرير أفق الرؤى وهي في تجاذب دائر بين المضمر والظاهر .. ينفذ الى اعماق الاشكال وهي في حراك للتكامل ، مما اضطره الى التمويه القصدي لجعل منحوتاته تتخذ من فعل الترميز سببا لمحو جزئي لملامح الوجه ليس بمعنى الألغاء بل ليوحي أن ثمة تفاصيل في كل وجه يتحرك بطاقة الاحساس والتفاعل مع محيطه فيخفي بحكم الفطرة والطبيعة اجزاء من تكوينه والوجه تتركز فيه الروح وهي تضمر الكثير من الاحاسيس التي تعبر عن كل ما هو مخفي باشكال حلمية تموه الكثير من المشاعر ليتمثل الجمال في وجوه فاقدة لملامحها او اجزاء من تكوينها الجسدي .. وفي بحث عن وجود غير ما تعود عليه الانسان ... وما يتعمد الى تجاهله لبعض من تفاصيل تكوينه الجسدي يراه الفنان شكلاً من اشكال الامتلاء الحسي فضلا عن اضفاء احساس يدفع للبحث عن تكوين غامض يقع بين المرئي وغيره. لاثارة المخيلة وما يثري الاحاسيس والانفعالات التي تتجاذب التكوين بتفاصيله ليكون كتلة انفعالات تدور في فراغ ينزع الى الاكتمال. ان ضياء مهدي يسعى بجد الى تقصي آماد هذه التجربة المريرة لخلق اشكاله الناقصة وهو يتأمل توقها الى الاكتمال في ذهن المتلقي وهو يبحث عن زوايا الاختفاء واسبابه ويتخيل من بين المبهم والغامض صورا تشبع الاحساس بالأمتلاء الحسي والروحي والجمالي .. وهذا ما نراه في كينونة تحلم بوجود قائم بذاته منفصلا عن متخيل الفنان نفسه ... ونذكر ان هنري مور كان يترك فراغات في الكتلة تثير المخيلة وتتعدد فيها زوايا الرؤى وقراءات الدلالة .. وما نراه في منجز المبدع ضياء وهو يعمد الى إلغاء او تمويه ملامح الوجوه ( نحتا ورسما ) فكأنه يوحي بوجود أكثر من وجه ولكل تكوين غموضه واسبابه، ليصل بنا بعد تأمل الى حضور مغاير لما نألفه من وجوه ... ندخل معه ومعها في حوار عن طبيعة فنون الرسم والنحت وهي تصارع الاوهام والوقائع باتجاه المجهول .