مع أننا أمة شعر حسب ما يشاع في مصادر ثقافتنا التراثية( الشعر ديوان العرب ) ، وما يقال من امتداد هذه الفكرة حتى في مفاصل ثقافتنا الحالية وحياتنا اليومية ..ومع أن هذه المسألة يفترض بها أن تجعلنا نوجز في الأقوال ونكثف في الحوارات اليومية ..إلا أن واقع الحال على العكس من ذلك تمام .. وأثبت أننا أمة سرد بامتياز ..

نسترسل ، ونطنب ، ونطيل ، ونمطّ في حواراتنا اليومية وخطاباتنا بمختلف أنواعها ولاسيما السياسية والدينية ، ونعيد ونكرر التفاصيل إلى حد الثرثرة الفارغة المثيرة للملل ..تلتقي بأي شخص تعرفه في الطريق فيستوقفك وقتا طويلا في شرح وسرد ما حصل للأمة ، أو سيحصل أو يعيد عليك آلاف المرات كماً كبيرا من الأسئلة الفضولية والمملة تبدأ بـ ( شلونك ) ولا تنتهي بعد ساعة  إلا بـ ( وبعد شلونك وشكو ماكو ) ..أو قد تلتقي بأشخاص يريدون منك إعادة وسردا لموضوع ما تكرر فيه الحديث ..أو يعيدون على مسامعك نشرات الأخبار كلها التي استعبدتهم أمس ..بأخبار لصوصها الساسة ..وأنت الهارب منها أصلا بالصمت والنوم والشخير المبكر ..

   يوميا نسرد آلاف السطور والتفاصيل المملة ونفرض على الآخرين الإصغاء إليها ونضطهدهم وهم لا ناقة ولا جمل لهم فيها… لانتقن لغة الاختصار والإيجاز والصمت والعيون والإشارات حتى الحبيبة نلعن والد والديها بإعادة القصص نفسها عن بطولاتنا العنترية ، ومنجزاتنا العندليبية ،  واكاذيبنا الدون جوانية  في زمن ماض لا شهود عليه سوى أكاذيبنا السردية ..

    نعشق الطرق المدورة والملتوية ، ونكره الطرق المستقيمة في الكلام ..إننا مجتمعات خبيرة في صناعة الملل والكذب والروتين والبطولات الدونكيشوتية ..أفعالنا قليلة جدا وأقوالنا وأكاذيبنا المحمولة على ظهور الفيلة  تمتد قطعانها شرقا حتى سور الصين ..وحتى طواحين الهواء في الغرب.

باختصار

مازلنا أسرى ثقافة الف ليلة وليلة ونسترسل في السرد  بلا وعي منا ، للحفاظ نفسيا على إطالة زمن وجودنا المزيف ولو بالكلام الفارغ .. أمام تهديدات شهريار بقتلنا ..الذي تعاد صناعة صورته يوميا وبأشكال شتى ..كلها تجعلنا أمة تدمن السرد ..ملاذنا الوحيد في الاعترافات والاحتجاجات والاستنكار والحكي والبوح ، والترغيب والترهيب ، والرواية ، والقصة القصيرة ،  وشرح طريقة صناعة الكباب .

أما مقولة الشعر ديوان العرب ..فقد تراجع وجودها وباتت حبيسة الكتب التراثية ، والمهرجانات الشعرية العمودية فحسب ..لان الواقع اليومي ديوانه السرد ..ولا شيء غيره .