توقفت الحافلة فجأة، كأنها أوشكت على الإرتطام بحاجز عند منتصف الطريق، ظهر خمسة رجال بلا وجوه، صاح رجل من المؤخرة: البرية تابوت مفتوح، تساقط الخوف من فرط الأمان، ضج الركاب في لغط هجين، تمتم السائق بكلمات ضاعت وسط الضجيج، قال عسكري حاسر الرأس لشاب حاول النزول: كنْ حذراً، تدهده طفل في الممر، إنفجرت بين يديه كرة منفاخية، جفل الركاب، صعد رجل ملثم، إستخفَّ به رجل كان يثرثر طوال الطريق، إلتفت الرجل الملثم نحوه، نظر إليه من دون كلام، غير انه لم يكفّ عن الثرثرة، سأل أعمى صبياً يلازمه في المقعد: ماذا ترى؟ صعد رجل ثان، لاحظ الصبي إصبع سبابة الرجل الملثم معقوفة على قنطرة الزناد، ردَّ الصبي بدهشة وغرابة: ياأبت أحدهم يدحو شيئاً في فم الرجل الثرثار، إختلط دم الشمس برماد الغسق، سرى هدوء مريب بلغ درجة الصمت، فالبرية فضاء وحشي وسافر، والأمان سراب كاذب، توجّس الأعمى خيفة من أية حركة منزوعة من الصمت المخادع، إستشعر وجوههم المعتمة تنزلق على زجاج النوافذ، وقد توقفت شاحنة أخرى محايثة للحافلة، قال الصبي للأعمى: انها تشبه شاحنة الموتى، سأله الأعمى: هل أنت خائف؟ إرتبك الصبي، إنكمش إحساسه في لحظة مذهلة، ردَّ عليه بصوت خائف: ألم أقل لك ياأبتِ أن الطريق هذه الأيام خطرة؟ ضحك الأعمى، وكأنه أراد ان يبدّد مخاوف الصبي، صرخت امرأة فجأة، جفل الصبي، إرتبك الركاب، إنكتم الصوت، كأنه سقط في قاع عميق.

أنصت الأعمى بآذان منشغفة لغمغمات مبهمة أو همهمات مكتومة، لم يشأ أن يسأل الصبي، ربما كان يشعر بهم ينزلون من الحافلة أو يصعدون الى الشاحنة، ثم ينحشرون في جوف مظلم، أيقن انهم سيتجهون بهم نحو جهة مجهولة.

قبل أن يجتاز الرجل الثاني مقعد الأعمى والصبي، إنطلق عيار ناري، جفل الصبي ثانية، إرتعب ماتبقى من الركاب، إختلط الصراخ بعويل النساء، كان الصبي يرقب عبر زجاج النافذة شاباً يرتدي قميصاً أزرق وبنطلوناً من الجينز، يركض بلا إتجاه، لعله لايعرف أنّى يتجه، تطوّح جسده في الهواء، ثم هوى على الأرض، إنتظر الأعمى أن يخبره الصبي بما جرى.

 أغمض الصبي عينيه، إنتهبه رعب مخيف، وكأنه يقود الأعمى بيده، ينزل من( الحافلة) ويصعد به الى الشاحنة، ثم يتوارى معه في غيابة الجب، تناهى إليه صراخ عميق بصوت ناعم صاف، ولفرط ذهوله لم يميّز مصدر الصوت، أفاق لحظة صراخ دهمه من جوف الشاحنة، رأى الرجل الثاني يدفع فتاة يافعة للنزول من الحافلة، بدا وجهها شاحباً لحظة الانخطاف، كانت تنظر بعينين ذاهلتين، يملأهما الخوف والأسى والخذلان، سأله الأعمى بدافع اليأس:

هل حانت لحظة نزولنا من الحافلة؟

 أخذت المسافة تتقلص بين الصبي والرجل الملثم، مرّت لحظات متوترة بالصمت والترقب والانتظار، أنصت الأعمى الى نبض صاعد نازل في نسغ الصبي، يقيناً إستحوذ عليه الخوف من المجهول، إستشعر الأعمى حركة الرجل، وقد صار على تماس معهما، نظر الصبي إليه من أسفل الى أعلى، كانت اصبع سبابة الرجل تلتف حول قنطرة الزناد, تململ الرجل الثاني، توهّم الأعمى انه أشار للصبي بالنزول، كاد الأعمى أن يرفع عصاه لولا تشبث الصبي بيده، جاز الرجل الملثم مقعدهما، وإصبع سبابته لاتزال تلامس عقرب الزناد، ردّ الصبي بصوت راجف: لا ياأبتِ، لن ننزل من الحافلة، إرتخت أصابع الأعمى التي كانت تتشبت بقبضة العصا، وكأنه تحرّر من كابوس خانق.

أشاح الصبي بوجهه صوب النافذة، حطّت هالة من الحزن على كتفيه، كان أكثر الركاب يصطفون على هيأة طابور طويل، كأن أجسادهم لاأحد فيها، يصعدون من البوابة الخلفية للشاحنة، حتى ينطمسون في قاع معتم، حاصرت الصبي رغبة آسرة في البكاء، رغبة قوية تدفعه الى الصراخ وسط البريّة.

عرض مقالات: