اصطفق باب المنزل الحديدي بعد صرير مزعج كصوت طير جارح، خرجت الام وزوجها . اضطربت ابتسام عند تفكيرها في الدخول الى المنزل، وكان جل خوفها الذي تعتنى به بإرادتها، ليس الا مرآة بيضوية قذرة فوق المغسلة .

جلست ابتسام على ركبتيها كالساجدة للصلاة  تنظر من تحت باب غرفتها الخربة، غرفة صغيرة مستطيلة، جوها خانق، وجدرانها عارية من الطابوق المتآكل  لا تتعدى حجم قن دجاج،  وكوة صغيرة، فوق الباب الخشبي حالك اللون، تنفذ منها اشعة الشمس لتنتهي الى ارضية ترابية تغطيها بطانية قذرة مهترئة الاطراف. القن الخرب خال من اية زينة سوى ما على الجدران من لطخات دماء متيبسة، وما يبدو ان الاصبع الذي وضع تلك البصمات بعناية وعلى شكل كل ثلاث لطخات متقاربة، وبالمئات، بصمات اصابع ملطخة بالدم تملأ الجدران من الاسفل للأعلى وبالألوان تبدو مختلفة بسبب اختلاف الزمن بينها، هناك بصمات تبدو سوداء واخرى بلون بني مائل للاحمرار وبعضها من كان حديث وبلون احمر قان .

رفعت رأسها بعد نظرة من تحت الباب الخشبي واخذت تهرش فروة رأسها السوداء المجعدة واليد الاخرى انسلت الى ما بين فخذيها واخذت تمسح بصمات جديدة من الدم على الجدران، واحدة، اثنان، ثلاث .

هكذا هو عالمها، كما تريد رويته، تاريخ حافل بالدم، جدران مزركشة بالأحمر، احمر باهت، احمر محترق حد السواد، احمر متيبس، والثلاث لطخات الجديدة، تلطخ وجه العالم كل شهر .

استقامت واقفة، جسدها ملتف بثوب طويل ازرق، مطرز عند الاكمام بزهور صغيرة صفراء وحمراء . تهيأت للخروج من غرفتها قاصدة البيت، وما أن تخرج الأم والزوج حتى تنطلق ابتسام نحو المنزل، الذي حرم عليها دخوله بسبب عادة المسح بالدماء الشهري الشهرية على الجدران . التقطت من الارض مشط اًاسود سقطت بعض اسنانه، وباليد الاخرى، اليد اليسرى،  دفعت باب الغرفة وخرجت الى باحة الدار، تعي جيدا ان الابواب مغلقة وما من منفذ للبيت، كما يعتقد كلا الزوجين، والدة ابتسام وزوجها ذو الشوارب الكثة، حيث تزوجت خديجة بعد استشهاد والد ابتسام في الحرب العراقية الايرانية، استشهد رزاق بطريقة غريبة اواخر ايام الحرب، حيث وجد في اخدود، شق في الارض،  بفعل اندفاع سيول الامطار واصبح على شكل هلالي. وجد رزاق داخل الاخدود عارٍ الى جانب جندي ايراني عاري الجسد ايضا، وقد تعاركا بالسلاح الابيض حتى اجهز احدهما على الاخر بثلاث طعنات . في يوم جاء خديجة الطلق ازهقت روح رزاق وجيء به بصندوق خشبي على ظهر سيارة كراون، ملفوف بالعلم العراقي، ابصرت النور ابتسام بغرابة كما ابيها، حيث كان لها ثلاثة اصابع في كل يد وثلاثة في كل قدم، وثلاثة شقوق في شفتها العلوية وثلاثة اثداء وكان يحيط فمها ثلاثة خطوط من التجاعيد العميقة الهلالية، فم مشقوق بثلاث ومحبوس بثلاث، وكانت زاويتي الفم غير متساويتين ايضا، وعندما تنظر الى وجهها من جهة صدغها الايمن تجدها تبتسم ومن الجهة الاخرى ترى وجهاً خائف ومرعوباً . خرجت ابتسام الى باحة الدار ثم حاولت فتح باب  المنزل الحديدي، لكن، عبثا تحاول.. الباب مغلق بمزلاج حديدي من الخارج، ارخت يدها حتى سقط المشط ومسحت الدماء، بصمت على الباب ثلاث لطخات من الدم، ثم حملت قضيباً معدني كان مركوناً عند الباب وبدأت تضرب الباب الحديدي، على وتيرة واحدة، ثلاث ضربات متتالية وتعيد الكرة، حتى سمع احد المارة الصوت.. دفع المزلاج عن الباب، لتخرج ابتسام الى الشارع وتنطلق نحو الصبية حيث يلعبون، وهم بدورهم تركوا لعبهم واحاطوا ابتسام من كل جهة، خلعت ثوبها وسط هلهلة الجمع من الاطفال والمراهقين وتكورت على الارض عارية تمسح بأصابعها وترسم على جسدها العاري بصمات الدم الثلاث . بدأ الصبية والاطفال بجمع الحجارة المتناثرة على طول الشارع، وبإشارة من اطولهم انطلق وابل من الحجارة نحو الجسد العاري المتكور في الشارع، اطلق احدهم حجارتين اخطأت واحدة واصابتها الاخرى واطفأت عينها، استمر احتفال الرجم، وابتسام تتلوى مثل دودة مصابة، تارة تبتسم وتارة تنظر بوجه عابس مرعوب، انطلق حجر كبير واصاب الضحية بالرأس واسقطها على الفور، من دون ان تتمكن من الصراخ، لكنها حاولت وهي في اخر رمق ان تمسح ثلاث لطخات من الدم .

عرض مقالات: