استطاع الحزب الشيوعي العراقي بوقت مبكر من تاريخ الدولة العراقية الحديثة من تأسيس المتكأ الأول والأهم للنضال السياسي الوطني، بكونه يمثل التشكيل المنظم للحركة اليسارية والتقدمية في البلاد ، مجسدين مقولة لينين الشهيرة " التنظيم أعلى حالات الوعي " .

الإغراء الجاذب الذي كان يقدمه الحزب الشيوعي للعراقيين بفئاتهم المتعددة كان فضاء ً واسعا من تنوع الثقافة التقدمية وبعدها الإنساني الذي يسعى لتحرير الفرد من التخلف ويضعه في إطار النضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية في نظام اشتراكي يحقق المساواة ويقضي على الفقر ، وينهي استغلال الناس والتفاوت الطبقي بالمستوى المعيشي، ويحقق فرص التكافؤ الاجتماعي بين جميع الطبقات والفئات دون تمييز على أساس الدين أو القومية .

افكار إنسانية توعد بالخير والرفاهية للبشرية وتنهي دور السلطة كأداة قمع بل تضعها بيد الذين يصنعون الحياة من العمال والفلاحين والمثقفين الثوريين والمبدعين من حملة الفكر والفن والعلم والثقافة، وما أن تقترب من الشيوعي العراقي حتى تجد نفسك مدفوعا بشهية لاتقاوم على العوم في نهر عذب من الافكار وتنوع المعرفة واكتشاف الذات والآخر ، معرفة دورك بهذه الحياة وكيف تتحول الى كائن مضيء في عتمة مسارات المحيط الذي تنتمي اليه .

الرصيد الأعلى في بنك المعرفة والثقافة والآداب والفنون والعلوم أيضا، كانت حصة الشيوعيين فيه الأكبر في ذلك البناء الذي احدث نقلة تاريخية للحياة العراقية، يضعونك أمام العرض المسرحي الذي يثيرك فكريا وامتاعيا ولا أحلى من تقابل خليل شوقي أمام ويوسف العاني وزينب أمام ناهد الرماح وقاسم محمد يحاكي النخلة والجيران، تقرأ  السياب والبياتي وسعدي يوسف ومظفر النواب إيقونات تتوالى تاريخيا في قصائد توقظ فيك الأسئلة وتقودك لغابات لم تكتشف من قبل، وهذا الرهط من التشكيليين يأخذك نحو عالم من السحر والدهشة والنظر بعين يتسع للعالم أجمع، وتقرأ مقالاتهم وافكارهم في ثقافة جديدة وتفهم بوضوح ماذا يعني فائض القيمة، ولماذا يجوع الإنسان ؟

حكايا وقصص تنبض بالحياة وتجعلك مشاركا ومنتميا لهذا العالم بلا حدود ، تلك الروح المشتركة والإحساس بكونك كائن أممي تضيف حكايتك لهذا الحوض الكوني من رصيد الانسانية وهي تستظل بأفكار  الفيلسوف " كارل مار كس " وما تفرعت عنه من مدارس الفكر وفقه الجمال وعالم الفلسفة لتشكيل وحدة الوجود في تكامل يصوغ الحياة بأبهى ما يكون، ويضعها كمسارات سعادة للبشر في رحلتهم لصياغة الحياة .

لم يكن الشيوعي نقطة دالة على الثقافة واستعداده للتضحية من أجل مبادئه دون مهابة أو خوف من السجن والسجان، وإنما كان محط ثقة واحترام المحلة التي يعيش في وسطها سواء أكانت شعبية أم في الأحياء الراقية، ميزة تعطي له الروح الشعبية والألفة مع الناس ، وتلك واحدة من عناصر قوته التي لا يمكن للسلطات أن تحد منها، بل كانت سببا لتقرب الكثيرين منه " ولو سرا ً " بعد أن تقوم السلطة بتحذيرهم من الشيوعي الخطر !؟

في العمل والشارع والاوساط العلمية والاكاديمية والهندسية والرياضية كان الشيوعي أنموذجا في الابتكار والعمل بنكران ذات والاخلاص الوظيفي وتحفيز الآخرين لخدمة الهدف الأسمى ..الوطن .

سبعون عاما من القرن الماضي للحياة العراقية لن تخلو جوانب الحياة من بصمات الشيوعي ، المعلم والمناضل والمتحدي والشهيد ثم الصاعد للجبل لكي يقاوم الدكتاتورية ويردد مع ذرى الوطن نشيد الحرية في معزوفة ترددها معه البنادق وجبال عشقت حياتهم وعذوبتهم في ألفة مع قمم كردستان، فهم الأنصار الصوت المقاتل بوعي لأجل حرية الوطن، وحين نزل من الجبال بعد رحيل الدكتاتور ، نقل صوت الاحتجاج الواعي والنقدي لساحة التحرير وبقية ساحات الوطن المحتج .

استرسال يمضي بأفق مفتوح عن مآثر رفاق وأبناء فهد وسلام عادل وخالد احمد زكي وابو كاطع ونزيهة الدليمي ومحمد الخضري وتوما توماس وصفاء الحافظ عزيز محمد وبشرى برتو وقوافل تؤرشف صفحات بيضاء من تاريخ النضال الوطني من أجل وطن حر كامل السيادة وشعب يرفل بالسعادة، ولنا الحق أن نحتفل ونهنئ اصدقائنا وأحبتنا الشيوعيين في الذكرى 87 لتأسيس حزبهم ، فقد استحقوا الاحترام والمحبة وهم يقفون على ناصية النزاهة والاخلاص الوظيفي حين خاضوا في تجربة التمثيل البرلماني او اشتراكهم بوزارات الدولة العراقية بعد 2003 ، ولو كان لهم التمثيل الأوسع في قيادة الدولة وسلطاتها ربما لم يصل حال البلاد لماهو عليه الان من فساد وانهيار وأزمات .

* شهداء الحركة الشيوعية ونزاهتهم تمنحهم صك الغفران عن أخطائها السياسية التاريخية .

* الشيوعي العراقي هنا اشارة للحزب مرة وللشيوعي الإنسان العراقي الذي عاش مخاضات الحياة العراقية زهاء نصف قرن .

عرض مقالات: