في ركن قصي من مقهى الساقية في حي الحرية البغدادي أواسط سبعينيات القرن الماضي، بعيداً عن سمع عسس البعث ولكن ليس عن بصرهم، على ناصية تقاطع شارع معمل الطحين وشارع العدل مع شارع الحرية الأولى المؤدي إلى باتا، كنا ثلاثة شبان منهمكين في نقاشنا عن قوانين الديالكتيك الماركسية الثلاثة “ نفي النفي، وحدة وصراع الأضداد، تحول الكم إلى كيف “ وضرب ما يتيسر من الأمثال التي توضحها.

رغم جلوس وجهين شيوعيين معروفين في المنطقة وهما أستاذ اللغة العربية طيب الذكر الفقيد منصور كاظم - ابو واثق - والصحفي اللامع والشخصية الوطنية الأستاذ عبد المنعم الأعسم على مبعدة أمتار عنا، كانا يمكن أن يجنبونا مشقة نقاش طويل، كما كانا يتحملان عنا تكاليف شاياتنا.

كانت جريدة “ طريق الشعب “ الشيوعية تفترش الطاولة أمامنا.

وأثناء تقليب صفحاتها ومطالعة المانشيتات والعناوين الثانوية، وقع نظري على مقالين في صفحة الشؤون الدولية، عنوانيهما أثارا انتباهي بغرابة تعلقهما بموضوع نقاشنا وطرافتهما بنفس الوقت، فلقد (فسرا) بشكل تبسيطي ما جهدنا لفهمه حول القانون الماركسي “ وحدة وصراع الأضداد “ بالجمع في متن صفحة واحدة وبعمودين متقابلين، يتناولان الأوضاع السياسية في بلدين متباعدين بشخصي قائديهما، تضمّن اسميّهما تناقضاً لفظياً يجسد الضدية من خلال عبارة ” مو “ السومرية الفارقة التي تفيد النفي.

التقط صاحبّاي المفارقة!

العنوانان كانا عن بوتو الباكستاني* وموبوتو الكونغولي*.

قرأناهما حسب ما تمليه علينا أبجديات اللهجة العراقية بروحها الفكهة: بوتو - مو بوتو!

أسأل زميلي: بوتو؟ فيجيبني نافياً: مو بوتو!

 ثم نكررها ونغرق في ضحك طفولي في محضر استغراب مرتادي القهوة الآخرين، في البداية، حتى اصابتهم عدوى الضحك، بعدما عرفوا السبب، امام استياء البعثيين من تفاعل بعض رواد المقهى معنا.

تساءلنا بعدها هل كان الجمع بين الاسمين متقابلين في صفحة واحدة في جريدة جادة لحزب شيوعي عريق، مجرد صدفة أم هناك مقصد فكاهي من محرر شقندحي مجهول يقبع في مكاتبها؟!

اليوم وقد وخط الشيب شعورنا، ما زلنا نضحك من اندفاعاتنا لسبر أغوار الماركسية ونقاشاتنا الجدية وبساطة تفكيرنا وتهريجاتنا البريئة.

*) ذو الفقار على بوتو (1928 - 1979) - رئيس وزراء باكستان. مات معدوماً.

*) موبوتو سيسي سيكو (1930 - 1997) - ثاني رئيس لجمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير) اطيح به ومات بالمنفى في المغرب.

*) ساقية الحرية جرى ردمها بعد تراجع الخدمات البلدية واندثرت كمتنفس جمالي إسوة بالمشتل الذي كانت تغذيه.

عرض مقالات: