يَعدُّ الباحثون والمتابعون المتخصصون تنوعَ قصيد الجواهري بهموم وشؤون الفئات والقطاعات الشعبية، إحدى سمات وميزات الشاعر العظيم وتاريخه الحافل... فقد رصد ووثّـق لتضحيات تلكم الفئات الجماهيرية، ولنضالاتها من أجل أهدافها الوطنية والمهنية وغيرها، متبنيًا حقوقها، بل ومتصدرًا جموع المدافعين عنها...
وقد كانت لشباب العراق وطلبته حصة كبيرة وأثيرة في قصائد الجواهري، ومنذ بدايات عطاءاته الأدبية والفكرية، ومنها: "درس الشباب" عام 1926 و" أمَمٌ تَجِدُّ ونلعبُ" عام 1944 و"يوم الشهيد" عام 1948 التي ألقاها في ساحة "السباع" وسط بغداد، بمناسبة انعقاد المؤتمر التأسيسي للحركة الطلابية العراقية، وانبثاق "اتحاد الطلبة العراقي العام" عنه. وكذلك نونيته الفريدة عام 1959 حين ألقى في المؤتمر الثاني لذلك الاتحاد بقاعة سينما "الخيام" وبحضور عربي ودولي رفيع، قصيدة "أزفَ الموعد" التي جاء مطلعها:
أزف الموعد والوعـد يَعنّ ... والغدُ الحلو لأهليه يحنُّ
والغـدُ الحـلو بنـوه انتم ... فإذا كـان لـه صـلبٌ فنحن
فخرنـا انا كشـفناهُ لكم ... واكتشافُ الغد ِ للأجيال فنُّ
وفي القصيدة ذاتها يتغنى الجواهري، ويتباهى بمواقفه الوطنية، وأفكاره التنويرية ومساعيه لاستثارة همم جماهير الطلبة والشبيبة، وحماستها في المسيرة الحافلة من أجل الازدهار والبناء والعطاء الوطني... مذكراً بمشاركته الشخصية المباشرة في العديد من فعاليات وتجمعات تلك القطاعات الشعبية ومؤتمراتها، ولعل من أبرزها، بل هي الأبرز فعلاً: مؤتمر الطلبة العراقيين الشهير في ساحة السباع ببغداد عام 1948:
يا شبابَ الغد ِ إنـّـا فتية ٌ/ مثلكُم فرَّقنا في العُمـْـر سنّ
لم يزلْ في جانـِـحيْـنا خافق ٌ/ لصُروف ِ الدَّهر ثَبت ٌ مطمئنّ
لا تلومونا لأنـَّـنا لم نكنْ/ مثلـَـكمْ فيما تـُـجَـنـّـون نـُـجـَـنّ...
عبقرٌ واد ٍ نزلنا سفحـَـهُ/ شـَـتوة ً فهو أصم ُّ لا يـَـر ِنّ
ونزلتم ْ فتلقـَّـاكـُـمْ به/ الربيع ُ الغض ُّ والروض ُ الأغنّ..
البديعُ البدعُ أن يلحـَـقـَـكُمْ
في مضامير ِ الصِّبا عـَـوْدٌ مُسـِـنّ
وبالمناسبة، فقد تلت هذه القصيدة الباهرة، رديفات أخريات ومن بينها (أنتم فكرتي) عام 1961 و(أطفالي وأطفال العالم) عام 1962 و(يا فتية الوطن الحبيب) عام 1979. وفي جميعهن مواقف جواهرية تؤكد إيمان وثقة الشاعر والرمز الوطني بأهمية دور الطلبة والشباب وتضحياتهم الجليلة، لا من أجل حقوقهم المهنية وطموحاتهم في المستقبل الزاهر فحسب، بل ومن أجل حياة حرة كريمة للبلاد وأهلها، بزعم أنه المعني الأول بالأمر... أليس هو من صرح في قصيدة عصماء عام 1956:
أنا العراق ُ لساني قلبه ودمي فراته وكياني منه أشعارُ..