مؤلف لينين الفلسفي الرئيسي وظهر تحت عنوان فرعي “تعليقات نقدية على فلسفة رجعية”، وكتبه عام 1908 ونشر في مايس/ أيار 1909. وقد كتب هذا المؤلف خلال فترة انتكاس سببتها هزيمة ثورة 1905 – 1907 الروسية. ففي ذلك الوقت برزت المهمة السياسية والنظرية العاجلة الخاصة بالدفاع عن المادية الجدلية والمادية التاريخية ضد هجمة التحريفية، وتفنيد الفلسفة النقدية التجريبية الرجعية التي كان التحريفيون يدعون لها بقوة.

وينقد كتاب لينين هذا بطريقة جامعة الفلسفة النقدية التجريبية المثالية الذاتية، ويبيّن إن المادية الجدلية تتعارض كلية مع تلك الفلسفة في كل المشكلات الفلسفية. وانتقد لينين بشكل تفصيلي النظريات المثالية، وبيّن الكتاب مصادر التجريبية النقدية ومكانتها في تطور الفلسفة البرجوازية. واكتشف لينين - لأول مرة في الفلسفة الماركسية – العلاقة المتبادلة الحقيقية بين التجريبية النقدية والعلم الطبيعي. وكذلك فإن لاكتشاف لينين الجذور الاجتماعية والدور الطبقي للفلسفة الماخية أهمية استثنائية. فقد انتهج بعزم وإصرار خط التحيز في الفلسفة، فكشف كذب “ لمزاعم الغيبية” للماخيين ولكل تيار الوضعية، بأنهم فوق المادية والمثالية، وبين إن التجريبية النقدية أفادت قوى الرجعية وكانت معادية للعلم والتقدم.

والى جانب نقده القوي للماخية وأتباعها الروس، فإن لينين قد دعم وطوّر أهم مبادئ المادية الجدلية والتاريخية، وأعطى لينين تحليلاً شاملاً للمسألة الأساسية في الفلسفة، ولأهم مقولات الفلسفة الماركسية (مثل المادة والتجربة والزمان والمكان والسببية والحرية والضرورة)، وطّور بصورة خلاقة النظرية الماركسية في المعرفة، وخاصة نظرية الانعكاس، ودور الممارسة (التطبيق) في المعرفة، ومكانة ودور الاحساسات في الإدراك، والحقيقة الموضوعية والعلاقة المتبادلة بين الحقيقة المطلقة والنسبية، والمشكلات الأساسية للمادية التاريخية. كما أن لتعميم لينين للمعطيات الجديدة التي يجمعها العلم الطبيعي أهمية خاصة. فإن الاكتشافات البارزة لعلم الطبيعة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد ميّزت بداية ثورة في العلم الطبيعي. ومع ذلك فإن هذه الاكتشافات أدت إلى نشوء أزمة حادة في تطور العلوم الطبيعية، كانت ترتبط ارتباطا وثيقا بالمثالية “الفيزيقية”.

لقد كشف لينين الجذور الطبقية والمعرفية للمثالية “الفيزيقية”، فبرهن على أن الاكتشافات الجديدة في علم الطبيعة، أبعد ما تكون عن تفنيد المادية، بل أنها على النقيض من ذلك تعطي مزيداً من التأكيد للمادية الجدلية. وقد حدّد تعميم لينين المادي الجدلي للمنجزات العظمى في العلم معالم الطريق للخروج من أزمة العلم الطبيعي، وبرهن بطريقة مقنعة على أن المنهج الوحيد في هذا العلم هو المنهج المادي الجدلي.

وتكمن أهمية كتاب لينين هذا في حقيقة أن المادية اتخذت فيه شكلاً جديداً، يتطابق مع المستوى الجديد الذي تحقق في تطور العلم.