سبع وثمانون مضت... منذ أن أوقدت للحرية شمعة حمراء توهجت بحدقات السائرين في سبيلها، راسمة حلم وردي جميل لأمال الأجيال القادمة... خاتمة آذار كانت البداية، معلنة ميلاد مدرسة الفكر وبوابة التضحيات.. في ذات اليوم لانعتاق الإله تموز من محشره في عالم الظلام... أي مصادفة تلك وأي قدر رافدي عجيب هذا، أن تكون الولادة والانعتاق من رحم المعاناة والالم، لتباركهما عذوبة نسائم ربيع العراق، معلنة انتصار الحياة وبدء مسيرة أرض الرافدين نحو الشمس. سبع وثمانون.. والفكر العلمي يشهر ناكراً مستهجناً كل أشكال ورموز الطائفية البغيضة، والتمييز العرقي والديني والقومي، والتعصب المذهبي الاعمى.. داعياً لهدف أسمى تأطر صورته الخلابة انسانية الانسان، والمساواة الاجتماعية لجميع أبناء الشعب، وازاحة الحيف عن مظلومية المرأة ومعاناتها، والتمهيد لمستقبل زاهر يحتضن الطفولة المعذبة. سبع وثمانون.. وقوافل الشهداء السخية تملئ دروب النضال، لتجري سواقي الدماء الزكية بغزارة دونما توقف موازية لأمواه دجلة والفرات، بعد أن جعل واهبيها من حتوفهم (جسوراً للمواكب العابرة) لضفة يوم جديد. سبع وثمانون.. ومعتقلات البطش الدموية السوداء تلتهم ايام المناضلين، لتنسيهم رغد الحياة وضياء الشمس، فزهدوا من كل شيء ولم يعد يتملكهم سوى حب الوطن والتضحية من أجله، بعد أن انارت قلوبهم تلك الافكار النقية الطاهرة التي لا تبغي سوى رفعة الشعب وتطلعاته نحو الحرية، ليجعلوا من أغلالهم وقيودهم الثقيلة (مفاتيح مستقبل زاهر). سبع وثمانون.. وأهازيج المناضلين تشدوا صدّاحة الصوت، سابحة مع مشاحيف الهور، رافعة المناجل معلنة سحق الاقطاع والحط من جبروته، ليناجيها رصاص الانصار الأبطال في جبال كوردستان الشمّاء، متناغمة مع طبول الدبكات وصيحات الفرح لأحفاد (كاوه الحداد) حاملين مطارقاً ثقيلة هشمت قصور (الضحّاك) ومعيته الأقزام، موقدين مشاعل الحرية على القمم العالية، لتعلو معهم في شوارع وأزقة مدن الوطن الصامدة هتافات الطلبة والعمال والشبيبة اليافعة، مطالبة بأسقاط الأنظمة الباغية وحكوماتها الطائشة التي استهترت بمصير الشعب. سبع وثمانون.. والمسيرة الباسلة تتواصل، أستحال انقطاعها رغم المؤامرات والاخفاقات وثقل الجراح وغورها، جيل يسلم غصن الزيتون لآخر، عيون تودع الحلم لعيون، سواعد تمنح العهد لسواعد.. ليبقى الطموح يتجدد دوماً بغدٍ أخضر لابد أن (يحيّينا أصيله على مهل) وأن طال الزمن. يا ملهم النضال الأصيل.. هرمت سنين الدهر لكنك تأبى المشيب، ليبقى برعم شبابك يانعاً، معلناً ثورته على آهات الزمن ودورة أفلاكه الأبدية، صارخاً هيهات أن يشيخ عنفوان النضال أو تثني الأيام إرادة المناضلين.. طالما المبادئ ثابتة وعزيمة الغيارى راسخة، ستبقى الهامات بيضاء شامخة لا تنحني.. وسيبقى الطريق هو الطريق والأمل هو الأمل.. بوطن حر أبي يعيش بين ربوعه شعب فرح سعيد.

عرض مقالات: