بسبب معاناة ألمانيا وفرنسا من نقص العمالة، فإنهما تخططان لسد هذا النقص من خلال المهاجرين. فسوق العمل الألماني يشبه الجبن ذي ثقوب. وفقا لأحدث الأرقام الصادرة عن وزارة الاقتصاد والخزانة الألمانية، هناك أكثر من 20,000 وظيفة شاغرة في دور حضانة الأطفال، و10,000 وظيفة شاغرة تعود لسائقي الشاحنات و100,000 وظيفة شاغرة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وفي الأسبوع الماضي، أفاد موقع الأخبار الإنكليزي Wired أن مصنع تسلا الجديد في براندنبورغ لا يواكب السرعة في عمله بسبب نقص الموظفين، وأن ظروف العمل تجعل الموظفين يبحثون بسرعة عن وظيفة أخرى. ويبدو أن أحدث نقص صارخ يتمثّل في نقص أطباء الأطفال؛ إذ أن مستشفيات الأطفال الألمانية لديها، بالكاد، القدرة على مساعدة جميع الأطفال الذين يعانون من التهابات الجهاز التنفسي.

في كل عام، يتقاعد مئات الآلاف من طفرة المواليد في ألمانيا (بعد الحرب العالمية الثانية) *. وإذا لم يتغير شيء، تتوقع وزارة العمل نقصا قدره 7 ملايين عامل بحلول عام 2035. سيكون نقص الموظفين على حساب الرفاهية وقدرة الصناعة الألمانية التنافسية. ولتعويض هذا النقص، يريد الائتلاف (الحكومي)** في برلين جذب 400 ألف عامل إضافي سنويا من الخارج.

يبدو هذا الطموح رائعا. لقد وصل إلى ألمانيا ما يقدر بنحو 1.2 مليون شخص هذا العام (حتى نوفمبر/تشرين الثاني)، وبالكاد استطاعت البلديات الألمانية إيوائهم. وجاء أكثر من مليون لاجئ إلى ألمانيا من أوكرانيا منذ نهاية شباط| فبراير. علاوة على ذلك، يقول الوزير هوبرتوس هيل (العمل، الحزب الديمقراطي الاجتماعي)، إن مجموعة صغيرة فقط من طالبي اللجوء قدمت للحصول على مساعدات اجتماعية. ويريد هيل والوزراء المعنيون روبرت هابيك (الاقتصاد، الخضر) ونانسي فايسر (الشؤون الداخلية، الحزب الديمقراطي الاجتماعي) وبيتينا ستارك واتزينغر (التعليم، الحزب الديمقراطي الحر) جذب الأشخاص المتعلمين.

متاعب أقل

على غرار المثال الكندي، تريد ألمانيا توظيف العمالة المهاجرة الوافدة من الخارج، على وجه التحديد في القطاعات التي يوجد فيها نقص حاليا. كما يمكن للمعني (المهاجر)*** حامل دبلوم في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أن ينتقل إلى ألمانيا دون متاعب كثيرة. وبالنسبة إلى العمال الذين ليس لديهم دبلوم، فتَمكُّنهم من اللغة الالمانية سيجعل بناء حياتهم في المانيا أسهل. إن سد هذه الوظائف الشاغرة في ألمانيا سيتطلب تجنيدا مكثفا من الخارج. 

هناك قدر كبير من التأييد لنية حكومة شولتس.  يبدو أن حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي / الاتحاد الاجتماعي المسيحي المعارضين مستعدان أيضا لدعم مشروع القانون الذي سينظر البرلمان في إمكانية إقراره في كانون الثاني| يناير. صحيفة التابلويد بيلد التي لا تتردد عادة في الكتابة ضد المهاجرين، تكتب بشكل معتدل نسبيا عن “الأجانب” الذين يريد الائتلاف “جلبهم” إلى ألمانيا. وبالتالي فإن نقص الموظفين يمثّل مشكلة تؤثر على الجميع بدرجات متفاوتة؛ على سبيل المثال، نقص في القدرة الاستيعابية لدور حضانة الأطفال أو عدد رحلات القطارات التي يتم إلغاؤها بسبب نقص السائقين.

يرى جيرالد كناوس، خبير الهجرة وأحد مهندسي ما يسمى بصفقة تركيا في عام 2015، أن نية حكومة شولتس تمثّل فرصة. “يجب على ألمانيا إبرام معاهدة وذلك للحد، في الوقت نفسه، من الهجرة غير الشرعية. على سبيل المثال، يمكن أن تُعرضَ على بلدان العبور مثل تونس أو المغرب وبلدان المنشأ تنظيم هجرة منظمة، وهذا من شأنه أن يسهل القدوم إلى ألمانيا للمتمتعين بالتعليم أو بالمهارات اللغوية. وفي المقابل، يمكن لتلك الدول وبسهولة أن تستعيد طالبي اللجوء الذين رُفضت طلباتهم”.

تعاني ألمانيا، مثل باقي الدول الأوروبية الأخرى، من سياسة الترحيل. وفي نهاية المطاف، يتم إرجاع  عدد قليل فقط من طالبي اللجوء الذين تم رفض طلباتهم إلى بلدانهم الأصلية. وقد أطلق ائتلاف برلين للديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والليبراليين، في اتفاقه الائتلافي، “حملة إخلاء تعسفية “. بالمناسبة، لم يعد الائتلاف يرغب بتسمية “ترحيل” الأشخاص، بل “إرجاع” حيث أن المصطلح الأخير أكثر إنسانية قليلا.

الأحزاب اليمينية والناخبون

بعد فترة وجيزة من تقديم حكومة شولتس خططها، والتي من المفترض أن يُقرَّها البرلمان في كانون الثاني| يناير، أعلنت فرنسا أيضا عن نيتها جذب مزيد من العمال المهاجرين؛ إذ تريد الحكومة الفرنسية منح “بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف” من تصاريح الإقامة المؤقتة للمهاجرين الذين يمكنهم العمل، من بين مجالات أخرى، في قطاعي الخدمات والبناء.

تستهدف الخطة الأشخاص الذين لا يحصلون تلقائيا على اللجوء في فرنسا، لكنهم في الواقع يتمتعون، في كثير من الأحيان، بوضعية اللجوء، حسبما قال وزير العمل أوليفييه دوسوبت في إعلانه في أوائل تشرين الثاني| نوفمبر في محطة إذاعة فرانس إنفو. وذكر كمثال على ذلك مهاجرين من بلدان مثل سوريا وأفغانستان.

كما يمكن للمهاجرين الموجودين بالفعل في فرنسا الذين يعملون بشكل غير مُصرَّح به في القطاعات التي تعاني من نقص الموظفين، التقدم بطلب للحصول على تصريح الإقامة هذا. في المجموع، يعمل ما يقدر بنحو 400,000 إلى مليون مهاجر غير شرعي في فرنسا. على عكس ألمانيا، ستكون تصاريح الإقامة من حيث المبدأ لمدة عام واحد، ولا يمكن لمَّ شمل الأسرة. وخلال هذه السنة، يمكن لهؤلاء العمال المهاجرين التقدم بطلب للحصول على تصريح الإقامة لسنوات عدة، وبعد ذلك يتعين عليهم أيضا إجراء اختبار لغوي.

سياسة الهجرة الأوروبية

على الرغم من أن مدة الخطة الفرنسية أقصر بشكل ملحوظ من مدة الخطة الألمانية، إلا أن الوزراء المعنيين كانوا حذرين في قراراتهم. ولتجنب غضب الأحزاب اليمينية والناخبين، أكد دوسوبت ووزير الداخلية جيرالد دارمانين، في كل مقابلة، أن الخطة لا تعني أن المهاجرين غير الشرعيين ستجري مساعدتهم على نطاق واسع للحصول على أوراق الإقامة الدائمة. ويتناسب هذا النهج مع وجهة نظر دارمانين القائلة بأن الدولة يجب أن تكون “لطيفة مع [المهاجرين] اللطيفين، ولئيمة مع اللئيمين.”

قد تعني خطط ألمانيا المتقدمة -التي يتعين عليها أولا العثور على 400,000 شخص مؤهل سنويا -وخطة فرنسا الحذرة اتجاها جديدا في سياسة الهجرة الصعبة في أوروبا.

يقول كناوس: “الحديث عن الهجرة في أوروبا مستمر في دوائر ميؤوس منها منذ سنوات. ببساطة لا يوجد توافق في الآراء بين الدول الأعضاء، ويبدو أنه لا توجد مصلحة في إيجاد حلول مشتركة اليوم كما كانت قبل خمس سنوات.” وبهذا المعنى، فإن الوضع أسوأ مما كان عليه قبل خمس سنوات، كما يقول كناوس، لأن المهاجرين يُرفضون على الحدود الخارجية ومن الشواطئ الأوروبية يُعيدونَهم إلى البحر. وهذا “الصد التعسفي” يَنتهك القانونَ الدولي. وقد انتهى الأمر بفرونتكس، وكالة الحدود الأوروبية، إلى أزمة هوية مطلقة، وفقا لكناوس، لأن المنظمة تُراقب بينما حقوق الإنسان تُنتهك.

   يعتقد كناوس أن الخطة الألمانية يمكن أن تكون مشروعا تجريبيا لأوروبا، إذا تكلَّلت ببعض النجاح. “من المهم أن تُثبت مجموعة من الدول الأعضاء أن الهجرة القانونية والمنظمة أمر ممكن. هذا ممكن - ولكن إذا كنا ننتظر مشروع قانون ناجح في بروكسل، فهذا يعني أننا في انتظار جودو Godot”.****

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المترجم

*** المترجم

** المترجم

**** جودو هي مسرحية لسمويل بيكيت. المترجم

الترجمة عن: NRC Handelsblad, 16 December 2022.

عرض مقالات: