معارض الكتب التي تقام في الدول العربية مناسبة ثقافية وازنة وفاعلة، لكن عسلها به مرارة ما، خيبة ما تكبر يوماً بعد يوم. ما في ذلك شك، فالكتاب في مجتمعاتنا يحتاج إلى كثير من الاحتفال والدعم والانتباه، لكن شريطة ألا تتحول هذه الحال إلى ابتذال وفلكلورية سياسية، تغطي الانهيار الثقافي الذي نحن فيه بالتزويق والكرنفالات الثقافية.

بمجرد افتتاح معرض للكتاب، في المشرق أو المغرب من بلدان العرب والبربر، حتى تغرق وسائل التواصل الاجتماعي بصور الكتاب وأغلفة الكتب، وهذا مبهج للنفس، لكن واقع الحال يقول: إن القراءة معطوبة، والكتاب في العالم العربي والمغاربي مشلول. علينا ألا نختفي خلف أصبعنا!

أمام هذا علينا، وبكل هدوء، أن نحاول تفكيك هذا العطب، سعياً إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه في باب الكتاب من قبضة مرض “الكرنفالية” والفلكلورية” و”السياسوية الثقافية”. علينا أن نعترف بأن هناك كثيراً من “التنشيط” وقليل جداً من “الثقافة”. هناك كثير من التمظهر وقليل من العمق.

نشعر بأن ظاهرة غريبة وخطرة تنمو بشراسة في الأوساط الأدبية والإعلامية حول مناسبات تنظيم معارض الكتاب هنا وهناك، إنها ظاهرة “الولائم الثقافية”، التي باتت تشبه “مؤسسة ثقافية” تفرض طبائعها وسلوكها على المجتمع الثقافي والإبداعي.

لنبدأ من مقدمة المقدمات: هناك 25 دولة تنتمي للفضاء العربي لغة وثقافة وبأشكال مختلفة، كل بلد تقريباً ينظم سنوياً معرضاً دولياً للكتاب في عاصمته، ويدوم المعرض عشرة أيام، وربما أكثر، وبعض الدول تنظم أكثر من معرض، وبناء على ذلك وبالحساب البسيط فإن جميع أيام السنة التي عددها 52 أسبوعاً تمسها تواريخ هذه المعارض، بهذا المعنى فإننا في مجتمع يحتفل بالكتاب على مدار العام.

إلى هنا، فالأمر إيجابي وجيد جداً، باعتبار أن هذه الحال المتواصلة لحضور الكتاب على مدى السنة تجعلنا نعتقد بأنها عملية منقذة لسوق الكتاب، وفي الوقت نفسه تكريس للقراءة، كل هذا جيد وجيد جداً. وإلى هذه المعارض يدعى كتاب وأدباء لتوقيع كتبهم ولتقديم مداخلات، وهذا جيد وإيجابي أيضاً، وهو من دون شك يخلق، في أقل الاحتمال، علاقات إنسانية حميمية ومباشرة ما بين النخب الإبداعية.

لكن المثير للغرابة في أمر إقامة المعارض وتدويرها، هو أنها تدور، في غالبيتها، بشكل غريب وبخلطة سحرية عجيبة، في ما يتصل بجانب طبيعة الفعاليات الثقافية المرافقة لهذا المعرض أو ذاك، حين ندقق النظر، ونقوم بقراءة دلائل المعارض على مدى عشرية تقريباً، سنكتشف بأن هناك شللاً تشتغل بشكل مدروس، مهمتها إعادة تدوير ورسكلة الوجوه نفسها، من معرض إلى آخر.

حال هذا “التدوير الثقافي” ذكرتني بحكاية حقيقية جرت مع الكاتب ألبير كامو، إذ كان يقضي الخدمة العسكرية في أقصى الجنوب الجزائري، وكان مكلفاً برصد الحساب اليومي لدرجات الحرارة في المنطقة، وإرسال ذلك إلى الإدارة المركزية بالعاصمة، ولأنه كان متيقناً بأن لا أحد يهمه تغير درجة الحرارة في أقصى الجنوب، فقد كان لا يتعب نفسه في الخروج لقياسها تحت شمس لافحة، إذ يكتفي بإخراج دفتر درجات الحرارة للسنة الماضية، ويعيد تسجيل درجة حرارة نفسها لليوم نفسه من السنة الماضية، وإرسالها إلى المسؤول بالعاصمة.

حكاية برامج الفعاليات الثقافية والمدعوين إليها الخاصة بمعارض الكتاب العربية كحكاية سجلات درجات الحرارة عند ألبير كامو، فالشللية التي تشرف على المعارض يكفيها استخراج دليل السنة الماضية وإعادة تدويره.

كيف يمكن تصور كاتب تجده يحضر في كل ولائم معارض الكتب المقامة على مدى 52 أسبوعاً، يحضر المعارض كلها من بلدان مطلع الشمس حتى مغربها؟ يحضرها متنقلاً كابن بطوطة، مستعرضاً صوره من معرض إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى، مبتهجاً بحاله، وإذا كان مثل هذا الكاتب، لا يتوقف عن الجري واللهاث، بين المطارات والطائرات والفنادق والسهرات، فكيف يمكنه أن يكتب رواية مميزة أو نصاً فكرياً عميقاً أو حتى مقالة صحافية؟

والغريب الذي تستغربه “الغرابة” نفسها، فعلى كل مائدة، وفي كل مأدبة ينحت المدعوون بحسب سجلات ألبير كامو خطاباً يناسب المشرفين، يرضي أهل الدعوة والشلة التي تسرب اسمه وتعيد تدويره كما تدور القناني البلاستيكية المستعملة.

إن تدوير الأسماء وإعادة طبع دلائل المعارض الكتاب العربية من دون كبير تغيير من دورة إلى أخرى يخلق روتيناً قاتلاً، ويكرس الرداءة، ويغلق الباب أمام كل هواء صحي للإبداع، وللحياة الثقافية بشكل عام.

كل من يمعن النظر والتفكير في واقع “مآدب” الملتقيات ومعارض الكتاب التي تقام في العالم العربي يشعر بأن هناك مرض الشللية سيقضي على كل حلم في إنقاذ الكتاب وحرية التعبير والتعدد الفكري والاجتهاد الذي هو منقذ بلداننا من الجفاف الروحي والعنف السياسي وثقافة الإقصاء والكراهيات.

إن تدوير الأسماء الأدبية الحاضرة باستمرار في المعارض كما تدور المواد المستعملة سيجعل المجتمع الثقافي والنخب بشكل عام يتصالح مع الرداءة ويفقد حاسة النقد ويمنح لسانه للقطة!

والأخطر من كل هذا وذاك إن هذه الشللية القائمة على فكرة “تدوير القناني الثقافية والإبداعية المستعملة أو المستهلكة” في معارض الكتب تزحف على حرم الجامعات وعلى منابر الإعلام وعلى الملتقيات الفكرية والإبداعية، لتشكل جهازاً قوياً يكون مانعاً لكل محاولة اختراق، وتضع كلاب حراسة مدربة لمحاربة وإقصاء وتشويه كل صوت خارج جوقة الشلة.

إن سيادة فكرة “تدوير القناني الثقافية والإبداعية البلاستيكية المستهلكة” تنتج وتعيد إنتاج هيمنة الفلكلوروية والشعبوية والرداءة المؤسسة، وهو ما يجعل عالم الكتاب عالماً غائماً وضائعاً وغريباً في العالم العربي والمغاربي.

لا يمكن إصلاح حال الكتاب، من حيث السوق والقراءة والإبداع والترجمة، في غياب معطيات علمية ودقيقة عن وضعه، مهما كان هذا الوضع كارثياً أم متوسطاً أم معافى، وهذه الحال الغامضة العكرة تسعد “الشللية”، وتخلق حقل فطريات يساعد في تكاثرها.

فقط، وعلى سبيل التمثيل: إن معرض الكتاب في مدينة متوسطة كمدينة بريف بفرنسا Foire du livre de Brive، الدورة 41 هذه السنة 2022، الذي يعتبر واحداً من المعارض المهمة التي يحضرها كتاب من قامات عالية، يقدم فيه المنظمون سنوياً ومباشرة بعد انقضاء الدورة أرقام مبيعات الكتب بشكل عام، أرقام مبيعات الأجناس الأدبية، أرقام مبيعات كتب بعض الكتاب، فمثلاً هذه السنة بيع 600000 (ستمئة ألف كتاب) على مدى ثلاثة أيام، هي أيام المعرض كلها، ووصلت مبيعات بعض الكتاب بالتوقيع إلى أزيد من 600 نسخة، هذه الإحصاءات الصادقة، التي يقدمها المشرفون على المعرض هي التي تجعل أصحاب القرار السياسي في أعلى سلم السلطة قادرين على التدخل لتحسين وضع الكتاب الثقافي والاقتصادي أكثر فأكثر.

في العالم العربي والمغاربي، لا يوجد معرض كتاب واحد، بحسب علمي، يقدم أرقاماً دقيقة وموثقة، بعيداً من التهريج السياسي الشعبوي، بعيداً من الفروسية الثقافية، معطيات صادقة عن عدد الكتب التي بيعت في هذه الدورة أو تلك؟ إحصاءات عن جنس الأدب المطلوب مثلاً؟ عن نوع الكتابة المقروءة؟

أيها السادة علينا أن نعترف بأن الكتاب كما القراءة في مجتمعاتنا، يتقدمان في فوضى احتفالية قائمة على الحس الكرنفالي وعلى تدوير سيزيفي “للقناني الثقافية والإبداعية البلاستيكية المستهلكة”، وإن مجتمعات كهذه يعيش فيها الكتاب مثل هذا الوضع يصعب عليها تخطي التخلف والتبعية، يصعب عليها العيش مع ساعة العصر والمعاصرة والتعددية والاختلاف.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

“اندبندنت عربية” – 10 تشرين الثاني 2022

عرض مقالات: