الى روحي الشهيدين عبدالعال وولده مناضل

بعد الجولة الأخيرة من التعذيب المتواصل ليل نهار، الذي لايتوقف الا حين يتعب الجلادون، أحس عبدالعال الشريباجي أن قدميه لم تعدا تتحملان جسده النحيل الذي تركت فيه هراواتهم جراحات في كل جزء منه، ولكنهم لم يستطيعوا كسر شوكته وصموده،  فسقط على الأرض متهالكاً، وقبل أن يدخل في غيبوبة أبدية، أسرَّ لأحد رفاقه بأن ساعته قد دنت.

لكنه وهو في غيبوبته، وقبل ان يلفظ أنفاسه الأخيرة، مر به شريط ذكرياته النضالية سريعاً، ثم توقف طويلاً عند ذلك اليوم الخامس والعشرين من يناير ستة وثمانين.

كان الوقت مساء، حين سمع طرقاً على الباب. كان الطارق شرطي سري جاء لتبليغه بالحضور الى دائرة الأمن في المدينة.

لم تكن هذه المرة الأولى التي يستدعيه فيها مدير جهاز الأمن. فقد جرى ذلك عدة مرات، منذ أن أطلق سراحه من السجن، آخر مرة. أقول آخر مرة، ذلك لأن عبدالعال كان قد سجن مرات عديدة خلال سنوات عمره التي تجاوزت الستين، لنشاطه في صفوف الحزب الشيوعي.

طيلة الطريق الى دائرة الأمن، وهو يسأل نفسه عن سبب إستدعائه هذه المرة. دوّر في رأسه الأسئلة التي توقع ان تُوجه اليه من قبل مدير الأمن وأستحضر الأجوبة عليها، مستذكراً أسألتهم آخر مرة استجوبوه فيها عن ولده “مناضل”.

- مناضل..

قالها في سره مع ابتسامة علت شفتيه، وشعور غامر بالفخر لكونه خلّف ولداً سار في ذات الطريق الذي اختاره لنفسه.

ففي وقت مبكر من تشكيلها التحق مناضل بمجموعات الكفاح المسلح التي تسلقت جبال كردستان لمحاربة الحكومة. كان عنصراً نشطاً في الحركة الطلابية في مدينته. فكان أفراد الأمن والإستخبارات يتقصّون الاخبار عن مكان تواجده، للضغط على عائلته وخاصة والده عبد العال، السياسي والمناضل العنيد. كانوا قد طلبوا منه التعاون معهم والإخبار عن مكان ولده، حاولوا إغراءه أحياناً بالمال ليكون عميلاً لهم وبالتهديد في أحايين اخرى.

- لا شك أنهم سيكررون محاولات الضغط علي، فكر في نفسه، الا أن كل محاولاتهم ستبوء بالفشل، كما في كل مرة.

قال هذا بصمت وقد إستحضرت ذاكرته فترات سجنه والتعذيب التي كان يتلقاه على ايدي الجلادين. وهو صامد صلب وعنيد.

أنهم بالتأكيد سيعاودون الكرّة ويسألوني عنه، وسيقدمون لي اغراءات للتعاون معهم وكأنهم ينسون من أنا. تحدث الى نفسه.

توقفت سيارة الأمن أمام مبنى المخابرات. أنزله الشرطي المرافق له من السيارة وأدخله غرفةً وطلب منه الانتظار حتى نودي عليه. ليقابل مفوض الأمن، بدلاً عن المدير الذي طلب مقابلته، لأنه خرج لأمر طارئ.

.ولم تمض سوى دقائق معدودات حتى نودي عليه. وكما توقع كان الاستدعاء يتعلق بولده مناضل، ولكن ليس كما في كل مرة، بل أن الأمر، الآن، مختلف تماماً.. لم تكن ثمة أسئلة عن إبنه وهو الذي يجب أن يجيب عليها، بل هو الذي سيطرح الاسئلة، ولكن قبل كل شئ عليه الامتثال لطلب المفوض الذي أمره أن يكتب (تعهداً خطياً يوقّعه أمامه بعدم إقامة الفاتحة ومراسيم التشييع، و كل ما من شأنه أن يعكّر صفو الأمن. وأن يذهب، بمفرده، الى الطب العدلي ببغداد لإستلام جثة ابنه).

بيد مرتعشة استلم عبدالعال من المفوض ورقة بيضاء وبصعوبة شديدة مسك القلم وكتب التعهد الذي طلب منه. لا يدري كيف طاوعته الكلمات وهو في دوامة من الصراع بين مصدق بما أخبره عنه المفوض عن ولده، وغير مصدق. لأنه لم يكن يتخيل أن يلقى القبض على مناضل وهو في قلاع محصنة بين جبال كردستان، شمال العراق. “ولم يكن وحده، بل ومعه أبطال مثله يفضلّون الموت على الاستسلام”. قال في نفسه. و فكر متسائلاً، كيف حدث ذلك؟... لكن إذا لم يكن الخبر صحيحاً لماذا طلبوا منه إذن أن يكتب تعهداً؟ ولماذا الذهاب الى الطب العدلي ببغداد؟ ولكن، ربما تكون هذه خطة لاكتشاف من اتصل به أو يتصل بي لمعرفة مكان مناضل؟!!...

بهذه الدوامة من الأفكار خرج عبدالعال من مبنى دائرة الأمن وتوجه الى منزله سيراً على الأقدام. لا يدري كيف أستطاع السيطرة على أعصابه وهو يجيب على أسئلة زوجته التي استقبلته عند الباب مستفسرة عن سبب استدعائه هذه المرة؟

- أنها الاسئلة ذاتها كما في كل مرة. وبعد لحظة صمت واصل القول:

- لقد  كرروا تهديداتهم لي. لذلك سأسافر الى بغداد من أجل الإبتعاد عن الأنظار فترة ولغرض العلاج أيضاً.

اراد عبدالعال أن يسافر في نفس الليلة، إلا أن شدة هطول المطر، وربما ليبعد الشك عن زوجته بالسبب الحقيقي لسفره،  اضطر الى أن يؤجل سفرته الى اليوم التالي.

في تلك الليلة لم يغمض له جفن. ظل يفكر بما سيحدث لو صدق ما ذكره مفوض الأمن.

مع إنبلاج الفجر وصياح الديك نهض من الفراش. عمل له شاياً ثم حمل حقيبته وذهب الى مرآب السيارات. كانت هناك سيارة أجرة من نوع لادا متهيئة للانطلاق الى بغداد تقاسم اجرتها مع أثنين آخرين. وما ان انطلقت به السيارة حتى راودته الافكار من جديد. جالت بذاكرته صورة ولده وهو يحمل البندقية على الكتف الى جانب رفاقه الآخرين وهم يتنقلون بين جبال كردستان يقاتلون بشجاعة نظاماً مستبداً ظالماً. شعر بنوع من الفخر بان إبنه يشاركه النضال في نفس الطريق الذي سلكه هو منذ نهاية ثلاثينات القرن الماضي وتحمل من جراء مواقفه المبدأية النضالية الصلبة صنوف التعذيب والإضطهاد.

بعد بضع ساعات وصل الى بغداد وقت مناسب، فالدوام لم ينته بعد. لذلك توجه مباشرة الى الطب العدلي. دخل غرفة الاستعلامات و طلب البحث في سجل الوفيات عن اسم ولده.

الى جانب موظف الاستعلامات جلس شخص عرّف بنفسه لاحقاً بمشرِّح الجثث. فتش الموظف في سجل الوفيات فلم يجد أحداً باسم مناضل. عندئذ تدخل المشرّح موجها كلامه الى الأب:

- تأتي غداً صباحاً لأصطحبك بسيارتي الى الأماكن التي يمكن أن نجده فيها، مقابل دفع مبلغ من المال.

- موافق! قال له عبدالعال.

- إذن! في الساعة الثامنة صباحاً ستكون هنا وسنذهب سوية.

خرج عبد العال من مبنى الطب العدلي وقد تزايدت شكوكه في أن ثمة خطة اتفق عليها بين أمن مدينته و الأمن العامة في بغداد لكشف الاشخاص الذين يتصل بهم، او لترهيبه والضغط وعليّه. لكنه برغم ذلك قرر. في الساعة الثامنة كان المشرّح بإنتظاره أمام الباب الرئيسي.

ركب عبد العال السيارة التي انطلق بها المشرّح الى حيث سجن “أبو غريب” وما ان وصلا الى القاعات التي تحفظ فيها جثث السجناء والتي تسمى (الثلاجات) التقى المشرح احد الاشخاص، وقد بدا انهما يعرفان احدهما الآخر. كان هذا الشخص مسؤول عن الجثث في الثلاجات. أخبرهما بأن هذا الأسم موجود عندهم وطلب الذهاب الى المعاون المسؤول لأخذ شهادة الوفاة.

تسلم عبدالعال شهادة الوفاة وغادر المكان. كان مسؤول الثلاجات بانتظاره وطلب منه احضار تابوت. فذهب الى مقبرة الكرخ واشترى تابوتاً جاء به الى مسؤول القاعة التي ما أن فتح بوابتها ليريه جثة ابنه حتى أحس بالدم يتجمد في عروقه... لحظات رهيبة عاشها الوالد. كانت الجثة ملقاة على ارضية القاعة. عينان مفتوحتان، ودم متجمد في وجه نحيف ولحية كثيفة.

- هذا ليس ولدي.. صرخ  عبدالعال .

- هذا هو..إقرأ لوحة الصفيح التي تحمل اسمه الثلاثي. هذا التغيير في الملامح من جراء مكوثه في الثلاجة فترة طويلة. قال له المسؤول عن الجثث.

- نعم، هو ابني مناضل. هذا هو طوله...و هذا....لا...لايمكن أن يكون، قال الوالد الذي كاد أن ينفجر من الأسى.

- إضبط أعصابك، قال له المسؤول، فليس هذا مكاناً للبكاء.

حمل الأثنان الجثة ومدداها داخل التابوت..ثم حملا التابوت الى سقف السيارة. فقد اتفق عبد العال  مع المشرح أن يوصله الى النجف. وفي ظل هذه الحالة الحرجة طلب منه مسؤول الجثث دفع رسوم بقاء الجثة في الثلاجة فترة طويلة. دفع المبلغ وانطلقت السيارة بالتابوت.. وما أن تحركا بضعة أمتار حتى التفت المشرّح الى عبد العال قائلاً:

- عليك أن تمسك أعصابك، سوف نصل الى سيطرة الدورة وسيسألونك عن صاحب الجثة.

بالفعل أوقفت السيطرة السيارة ورافق أحد افراد الشرطة عبدالعال وجاسم الى غرفة الضابط المسؤول الذي سجل استمارة شهادة الوفاة واخذ بعض المعلومات وسجل رقم السيارة واسم صاحبها أيضاً. ما ان خرجت السيارة من بغداد حتى اجهش الأب بالبكاء.

في مقبرة السلام في النجف توقفت السيارة امام مكتب استعلامات المقابر التي تم فيها تدوين اسم صاحب الجثة وماتضمنته شهادة الوفاة. ثم جاء الدفانون، وحمل الجثمان الى مقبرة العائلة. في تلك الأثناء التفت صاحب السيارة المشرح جاسم الى عبد العال قائلاً:

- من الأفضل أن تغسل الجثة في المغاسل الجديدة.

لم يعترض الوالد على ذلك وسارت السيارة بالتابوت الى المغاسل الجديدة. خرج المسؤول عن تغسيل الموتى مرحبا بالمشرّح الذي بدا أنه يعرفه، أنزلوا التابوت من السيارة وأدخلوا الجثة الى “دكة” الغسل وأخذوا يمزقون الملابس عن الجسد المسجي، وهي بيجاما مقلّمة وجاكيت ازرق نيلي وقميص حليبي اللون. أخذ الأب يمعن النظر في أبنه، كأنه يريد التأكد من أنه بالفعل هو ولده مناضل. فطلب من المغُسّل والدموع تنهمر من عينيه أن  يفتش في الجسد لمعرفة فيما اذا كانت ثمة جروح قديمة او جديدة...كان يبكي وينشج مخنوق العبرات وسط جمع من الأصدقاء والأقارب القاطنين في النجف وأنزلوا جثمان مناضل الى القبر وأهالوا عليه التراب. وبعد ان تمت اجراءات الدفن وتسديد رسومها بات الوالد ليلته في النجف قريبا من قبر أبنه، وهو غير مصدق ماحدث..

عاد عبد العال الى مدينته. وعلى الطريق عادت تتداخل في رأسه الافكار. استعاد شريط الذكريات عن مناضل وقارنه بنفسه.  كان في مقتبل العمر حين دخل معترك الحياة رافضاً لتقاليدها البالية، التي تحد من حرية الانسان وتنتقص من كرامه. كان منتفضاً ضد اللاعدالة فقاده ذلك للانتماء الى حزب الفقراء.، وهو ذات الحزب الذي إنتمي اليه لاحقاً ولده مناضل، الذي اسماه على صفته هو. ظل يستطرد في ذكرياته حتى برز أمامه السؤال القاسي. ماذا سيخبر عائلته؟ زوجته وأبناءه.. فلو قال الحقيقة سيخيم الوجوم على العائلة، وسيفشل مشروع زواج أبنه الأصغر من ابنة خالته، وستصاب والدته بصدمة تؤثر على صحتها وهي مريضة. لذلك لابد من كتمان السر عن أي أحد كان، ولو لحين، ليبعد الحزن عن العائلة و لكي لا يعطي مبرراً للأمن والمخابرات أن يعتقدوا بأن قتل ابنهم يعني شيئاً. فأية معادلة قاسية هذه على الوالد الذي قرر ان لا يخبر عائلته.

أستطاع عبد العال اقناع عائلته، محتفظاً بالحزن له وحده. كابتاً حزنه وألمه متظاهراً بالابتسام. لكن السر لم يعد سراً. فبعد أيام قلائل نشرت المنظمة المحلية للحزب الحاكم الخبر الصادم. وعرف كل من في المدينة ان مناضلاً قد استشهد. ولكن كيف حدث ذلك؟ هنا يأتي فصل جديد من هذه الدراما التي كشف تفاصيلها بعض من كانوا معه في الجبال. فقد استشهد مناضل في اقبية الأمن العامة، بعد أن القت قوات عسكرية تابعة للنظام تعدادها العشرات القبض عليه وهو مصاب بجروح بالغة.

وفي نهاية الشهر الأول من العام ستة وثمانين أضيف الى قائمة سكنى السلام الدائمين في النجف شهيدٌ أسمه مناضل. وبعده بعدة شهور التحق به والده عبدالعال، بعد جولة التعذيب الأخيرة عندما أسدل ستار الذكريات عند إنزال جثة مناضل الى قبره.

عرض مقالات: