لحظة واحدة في القاهرة قبل 10 سنوات جعلتني أفكر قائلاً لنفسي: “هذا أكثر من مجرد احتجاج آخر”، حدث ذلك خلال صلاة جمعة بعد أيام قليلة من انطلاق المظاهرات الأولى ضد الرئيس المصري السابق حسني مبارك...

كنت ساخرا بعض الشيء من معارضة نظام مبارك، لقد شاهدت بعض المظاهرات في السنوات التي سبقت ذلك، من متظاهرين شجعان من الطبقة المتوسطة عموما، والذين كانوا يرددون شعارات حتى تلقي الشرطة القبض عليهم والتي عادة ما كانت عنيفة في ذلك.

عندما انتهت صلاة الجمعة في ذلك اليوم تحول المتظاهرون إلى الشرطة.

كانت اللحظة التي أدركت فيها أن الأمر مختلف عندما رأيت أنه لم تكن الطبقة الوسطى المتعلمة هي من تتظاهر ولكن فقراء مصر الذين قلبوا سيارات الشرطة وأشعلوا فيها النيران وتلقوا الهراوات والغاز المسيل للدموع، لا قوة للثورات بدون فقراء المدن.

لقد كان يوما من معارك الشوارع الضارية التي بلغت ذروتها مع حشود اقتحمت الجسور عبر النيل والتي تؤدي إلى ميدان التحرير، القلب الرمزي للمدينة.

وعندما سقط حسني مبارك، قبل 10 سنوات بالضبط، انتشر الخبر بين الحشود في الميدان والذي كان قد شهد اشتباكات بين المتظاهرين وأنصار مبارك لمدة 18 يوما.

وكان صوت الاشتباكات يتصاعد خلال الليل في الميدان وما حوله بسبب حظر التجول الذي فرضه النظام، وفي أحد الأيام الغريبة والتي سادها العنف تعرض المتظاهرون للهجوم من قبل رجال على ظهور الخيول والجمال.

لم يكن للثورة قادة حقيقيون مما جعلها تحظى بسمات الشعبية والديمقراطية، وكان ذلك أيضا سبب نهايتها المتوقعة.

ولم يتمكن الشباب الذين برزوا في الاحتجاجات من إيجاد طريقة لتنظيم أنفسهم في قوة سياسية فعالة، وكان ذلك مفهوما فسنوات من الحكم الاستبدادي كانت تعني البداية من الصفر...

وقد فاز الإخوان المسلمون في الانتخابات لكنهم حكموا بشكل سيء، وسرعان ما أدى ذلك إلى نفور مصريين من الذين لم يكونوا من أنصارهم الطبيعيين، وبذل الجيش كل ما في وسعه لتقويض الحكومة بينما دخلت مصر في مرحلة من عدم الاستقرار والعنف ليستولي الجنرالات على السلطة في عام 2013. وبحلول بداية عام 2014 قتل أكثر من ألفي شخص، معظمهم من المدنيين، في أعمال عنف سياسية في الشوارع...

وكان قد تم خلع حسني مبارك من منصبه في أعقاب ثورة شعبية في تونس قبل أيام، وقد ألهمت الأحداث التي وقعت في بداية عام 2011 في مصر، التي كانت تقليديا المركز الثقافي والسياسي للعالم العربي، انتفاضات في جميع أنحاء الشرق الأوسط في غضون أسابيع.

وقد غيرت الانتفاضات كل شيء ولكن ليس بالطريقة التي كان يأملها المتظاهرون من أجل الحرية وسقوط الأنظمة.

فقد برز المتشددون، ولقي مئات الآلاف حتفهم وفقد الملايين منازلهم، وازدهرت الجماعات الجهادية وقدمت نموذجها الخاص من الحقيقة للشباب المضطهد من قبل الديكتاتوريات التي تقاتل من أجل بقائها.

وتعد الإطاحة بالقادة الاستبداديين الراسخين في الحكم أمرا صعبا للغاية لا سيما عندما تكون الأنظمة مدعومة من قبل قوى أجنبية تمثل حلفاء يعتمد عليهم...

وفي حين أن الأنظمة المتمسكة بالسلطة لم تحقق الاستقرار، مازال الشرق الأوسط يمر بعملية تغيير طويلة وصعبة. كانت انتفاضات 2011 قد اشتعلت بفضل غضب الشباب الذين سئموا الفساد والقمع والبطالة، وكل تلك المظالم لا تزال موجودة، ويعاني عدد من هم دون الثلاثين في الدول العربية من البطالة أكثر من أي مكان آخر في العالم.

ويتصاعد الغضب في أنحاء الشرق الأوسط، بالفعل هذا العام كانت هناك احتجاجات كبيرة ضد البطالة الجماعية في تونس وهي الدولة العربية الوحيدة التي خرجت من عام 2011 بديمقراطية جديدة.

كما هاجم المتظاهرون المباني العامة في لبنان، وهو البلد الذي يشهد انهيارا اقتصاديا وسياسيا. وتعد مواقف الشباب مهمة لأنهم يشكلون غالبية السكان، وسيؤدي تأثير وباء كوفيد 19 إلى تضخيم كل شيء.

لقد تحطمت آمال العقد الماضي. ويظهر التاريخ أن القمع ينجح، حتى يتغلب اليأس على الخوف، ليحول دون نجاح القمع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* محرر شؤون الشرق الأوسط

“بي بي سي” – 13 شباط 2021 (مقتطفات)

عرض مقالات: