يعّرف الذباب الالكتروني بأنه مجموعة حسابات افتراضية على وسائط التواصل الاجتماعي، تعمل على تشغيلها مجموعة من أزلام الحكومات والطغم المتنفذة، بغية نشر معلومات غير كاملة أو كاذبة للرأي العام، يصبح من الصعب معها الوصول إلى الحقيقة، وذلك لخدمة مصالح وأهداف أصحاب هذا الذباب في تزييف الحقائق وتضليل الرأي العام. ورغم ما يعتقده البعض من أن لهذا الذباب إنجازات وإنتصارات، فقد أثبتت تجارب مختلفة بأن هذا الإعتقاد لم يكن سوى وهم، حاول فيه الأزلام درء ما يشعرون به من العار الداخلي الذي يكتنف عادة كل مزوّر أو كذاب، وإن الحقيقة هي صنو الحرية، التي لا يمكن إحتجازها في الزنازين.

لقد درج القول بأن تقليد بضاعة الأخرين، لا يضاهي غالباً جودة الأصل. الا أن ذلك لا يصح كما يبدو مع الذباب الألكتروني في العراق، “سادة” وخدم، والذي فاق في شكله أو في مقدرته على التضليل والكذب، إمكانيات من راح يقلدّهم، فإنشأ معاهد دراسات ونشر صحفاً وأطلق محللين سياسيين وخبراء استراتيجيين، وطبّل لمفكرين، يؤكدون كلما يطلون على الشاشات، تقليداً عربياً، كان ينعت الناس بصفات تخالف ما فيهم، حيث يُوصف الأعمى بالبصير والملدوغ بالسليم، ويصف هؤلاء الـ… بالمفكر!

ودأب هؤلاء، بشراً وذباباً الكترونياً، على تأجيج النعرات الطائفية والإختلافات الأثنية، ونشر الكراهية والخوف بين الناس وإستعداء المواطنين على بعض، وتشويه صور الوطنيين الحقيقيين والناشطين المدنيين وبشكل رئيسي، شباب تشرين الباسل، وإسقاط ما يثقل كاهلهم هم من شرور وفضائح وسرقات، على إيقونة العراق، إنتفاضة الشباب وحراكهم الشعبي.

ويتبنى هؤلاء جميعاً، ذات الإدعاءات، ويطرحونها بذات الكلمات والصيغ، حتى وكأنك تسمع جوقاً علموه للتو زعيقاً نشازاً. ولأنهم يحفظون دون أن يفهموا، يفتقد الكثير منهم الى قوة المحاججة ومنطق وأداب الحوار، فتجدهم يهاجمون محاورهم بأقذع الكلمات، ويتهمونه بالخيانة وبالعمالة للأجنبي وبالإرتزاق (هل يصدقون أنفسهم؟)، ويدافعون بشكل مثير للشفقة عمن نهب البلاد وخربها وأوصل ثلث شعبها لما تحت مستوى الفقر، دون أن يتورعوا عن إدعائهم إحتكار مقدسات شعبنا وقيمه العظيمة.

وفيما يستعد شباب الحراك الشعبي، ومعهم كل أبناء هذا الوطن المبتلى بنظام المحاصصة الفاسد، لإشعال جذوة الإنتفاضة من جديد، يتصاعد طنين الذباب الأكتروني، مهدداً وبوقاحة عجيبة، في بلد من المفترض أن يسوده حكم القانون، الناشطين والمدونيين ويدعو علناً للأبلاغ عنهم وتصفيتهم وتكفيرهم والصاق تهم الخروج عن القيم بهم، دون أن يتحرك القضاء وأجهزة الحكومة العتيدة، لمواجهة هذا الإرهاب، أو كحد أدنى هذا التهديد الصريح للناس.

وبإنتظار أن يتحرك “أولو الأمر” لأداء مسؤولياتهم، نود الإشارة الى أن الخلاص من هذا الذباب وأصحابه، إنما يتوقف على تبني شامل للهوية الوطنية الجامعة، والتمسك بوحدة الإرادة والعمل في ظل إحترام التنوع، ووضوح الرؤية والمطالب الحقة، وإغلاق كل الثغرات التي قد تتسرب منها عوامل الفرقة أو يتمكن الطغاة من النفاذ خلالها الى الحراك الشعبي، وتعزيز القدرة على ترتيب الأولويات والمهام النضالية، وإتقان فن سماع رفاق المسيرة وشركاء النضال الطويل، والجمع الدقيق بين الحكمة الثورية والحماس الثوري، وعدم التهاون مهما كانت الصعاب، ففي وقت التضليل الشامل يكون قول الحقيقة عملاً ثوريّاً.

عرض مقالات: