اعلن السيد عبد الله حمدوك رئيس وزراء السودان مطلع الاسبوع الماضي، عن تشكيل حكومة جديدة تتكون من 25 وزيراً لاستكمال مهام الفترة الانتقالية.

ورغم ان هذه الحكومة غلب عليها طابع المحاصصة الحزبية، الا ان رئيس الوزراء اشترط في من يحملون الحقائب الوزارية الموافقة على برنامجه الثلاثي،  ما يعني انها (الحكومة) ورغم استيعابها قوى الحرية والتغيير الى جانب شركاء الفترة الانتقالية الموقعين على اتفاق جوبا الاخير، ذات صلاحيات محدودة ولا مجال فيها لتطبيق برامج الاحزاب.

وفي يوم الاربعاء الماضي تحدث الشيخ خضر كبير مستشاري رئيس الوزراء عن ملامح البرنامج الحكومي الثلاثي، في ورشة نظمتها منظمة (شركاء التنمية) حول علاقة البنك الدولي مع السودان، وتحدث فيها خبير البنك عثمان نورو.

ويعد البرنامج بمعالجة العديد من الاشكالات الاقتصادية والمعيشية وشح السلع الاساسية خلال 3 اشهر،  كما يشير الى تأهيل البنيات التحتية في الميناء والسكة الحديد والنقل النهري والبحري والطيران، ويتحدث عن استثمارات عديدة سوف تدخل البلاد.

لكن المناقشات ركزت على مدى استطاعة البلاد الاستفادة من تطبيق هذا البرنامج، الذي تموله 3 مؤسسات مالية هي البنك الدولي وبنك التنمية الافريقي والصناديق العربية. وتكون البداية بتوفير الدعم الاسري في حدود 5 دولارات شهرياً للاسر الفقيرة، لامتصاص الصدمة في ظل الانهيار الشامل في الخدمة المدنية، والذي اكده الشيخ خضر نفسه. الى جانب عجز الدولة عن تحصيل ايراداتها بسبب الفساد المستشري  في وزارة المالية.

وفي غضون ذلك شهدت البلاد احتجاجات شعبية واسعة، تحولت الى اعمال عنف ونهب وسلب في عدة ولايات. وقد حمّلت الحكومة عناصر النظام السابق مسؤولية اندلاع هذه الاحتجاجات وقامت بحملة اعتقالات واسعة طالت قيادات في حزب المؤتمر الوطني المحلول، والذي رد من جانبه باعلان التعبيئة العامة، ما اعتبرته السلطات تحريضا على الشغب وتهديدا لامن واستقرار البلاد. فاعلنت عدة ولايات منها ولاية الجزيرة حالة الطوارئ تحسباً لما قد يحدث.

وفي هذا الوقت ايضا شهدت البلاد هبوطاً للدولار امام الجنيه السوداني بشكل مفاجئ، عزاه البعض الى دخول وديعة من دولة عربية. الامر الذي نفته وزيرة المالية المكلفة. وكشفت وثائق رسمية عن ان 75 في المائة من الايرادات لا تصل الى النظام المحاسبي لوزارة المالية، نتيجة التلاعب في التحصيل عن طريقة اجهزة غير مطابقة للمواصفات العالمية، وهي شركات يملك اغلبها ضباط سابقون في جهاز الامن، ونتج عنها في عام 2019 فقط اهدار ما قيمته 8,4 تريليون جنيه سوداني. وهذه الاموال غير الخاضعة للرقابة الى جانب الاموال التي تحققها شركات الاتصالات كاستثمار غير مكلف اصلاً، تذهب الى تجارة العملة وشراء الاراضي، والى الصادر الذي لا ترجع عائداته الى البلاد مرة اخرى، وانما يتم ايداعها في بنوك خارجية بالدولار.

لذلك يتوقع ان تطالب المؤسسات الدولية والاقليمية الداعمة للبرنامج الثلاثي بتطبيق حزمة من الاصلاحات السياسية، تضمن حوكمة  دولاب الدولة ومحاربة الفساد بشكل جاد. خاصة وان تلك المؤسسات تعتقد ان الاقتصادات الافريقية قادرة على الانسجام مع التكييف الهيكلي، ويمكنها امتصاص الآثار الاجتماعية الناتجة عنه عبر الدعم الاسري.  لكن المشكلة الكبرى هي الفساد، الذي يتطلب الوقوف في وجهه  انظمة سياسية فعالة ولديها القدرة على ملاحقة المفسدين واغلاق الثغرات التي ينفذون منها.

ويبدو ان الخرطوم تحتاج مزيدا من الضغط الدولي حتى تتعامل مع هذه المفاهيم، نظرا الى العلاقات التي تربط عناصر النظام السابق مع دوائر في قمة السلطة، كما يظهر من خلال محاربة لجنة تفكيك تمكين نظام البشير المخلوع ومحاربة الفساد واسترداد اموال الدولة، وضلوع هذه الجهات في اطلاق سراح بعض المفسدين من سجن كوبر.

عرض مقالات: