من الغرابة حقاً أن يرحل شاعر أطلق عليه «شاعر الشعب» في الوقت الذي يستغرب «الشعب» متسائلاً من يكون هذا الشاعر الذي كثرت المرائي فيه يوم مماته؟

شاعر طرق باباً فنياً لم يسبقه إليه أحدٌ من قبل، ورسخ هذا المفهوم وبرع فيه، حتى أنه لم يقلد لفرادته وجدته، إذ لم يستطع الآخر أن يأتي بشبيهه، كون النسخة الأولى التي ابتدعها هذا الشاعر حملت خصائصها بكل دقة وبرسم دقيق للحوار الشعري، يتلاءَم مع طبيعة الشخصية الداخلة في العمل الغنائي وطبيعة الصراع بين الشخوص.

 قد نتساءل: كيف استطاع هذا الشاعر البصري (علي العضب) أن يتخيل «الأوبريت الغنائي»، ويبرع فيه، وينسج قصائده على لسان” الفلاح» في اوبريت «بيادر الخير» عام 1969 أولاً ولسان” العامل» في أوبريت «المطرقة» عام 1970 ثانياً.

 ثم توالت الأوبريتات التي نسجها قلم هذا الشاعر المتفرد في أفكاره والمستشرف صراع الطبقات في بنية المجتمع العراقي، والذي قاده لكي يسجل قبل غيره هذا الصراع الذي كان مقتنعاً أنه سيفضي إلى شيء جديد من التحولات، فكان أوبريته الثالث «المعيبر شنان» ورابعاً «أنت أمس أنت باجر».

كان «علي العضب» يكتب ملامح الاحتجاج علىٍ ما كان يتوقع من عسف السلطة التي لم يؤمن يوماً بل مطلقاً أنها ستتصالح مع الشعب. لهذا سجل سمات غضبه وكشوفاته بخصائص فنية تريد فضح خواء السلطة ورسم قوة الشعب «عمالا وفلاحين» حين شكل ملامح «بيادر الخير» و «المطرقة» وكأنه يؤكد إيمانه بقوة الفعل الخلاق لهاتين الطبقتين اللتين عانتا من ظلم السلطات المتعاقبة.

 رحل (علي العضب) في 12/ 9 /2022، وترك إرثاً ابتدعه لأول مّرة في العراق واستفز به السلطة آنذاك، رحل وترك خلفه نسيان السلطة له، حتى أنها لم تجد عليه بكلمة امتنان وعلى ما قدم من فعل إبداعي خلاق.

 كان الشاعر (علي العضب) شيوعياً يؤمن بمفهوم الصراع الطبقي بطريقة لا نظرية، مغايرة، إنها بالنسبة له انتصار للعامل والفلاح على مستغليهما، ولهذا حمل معهما (المنجل والمطرقة)، ليؤكد أنهما رمز للتحرر الطبقي، كان يفهم الشيوعية على أنها انتصار للحق وللحقوق ويمقت لصوص قوت الشعب، وربما كانت دمعة تسقط من عينيه وهو يتمثل صراخ الفلاح أو العامل الذي لا يجد لقمة يسد بها أطفاله رمقهم.

إننا لا نكتب رثاءً هنا، بل نسطر مفاخر الرجل ومناقبه وهو العارف بأن الرموز الشعرية لديه أقوى من فوهة البندقية لدى الطغاة.

 الرمز لدى علي العضب هو الأبقى والبيت الشعري هو الأمضى والصورة الأدبية البراقة هي الأنقى، كان يعرف أنه يكتب للتاريخ ويدرك جيداً أنهم سيؤول غيابهم إلى هباء، وهذا ما حصل فعلا حينما أدرك المشتغلون في حقل الثقافة في بغداد، إبان حكم صدام حسين أن الجماهير بدأت تضيع منهم، حينما بدأوا يرددون أغاني علي العضب من أوبريتاته وخاصة أغنية «ياعشكنا» التي غنتها المغنية البصرية شوقية العطار وفؤاد سالم وهي من تلحين الفنان حميد البصري الذي برع في تمثيل البعد الغنائي الملحمي الذي كان الشاعر علي العضب يتقصده.

 كان العضب يحلم بأن يرى عمله الأخير” ثورة الزنج» النور، وهو كما وصفه لنا نوع من أنواع الدراما، يمتد زمنه لساعة ونصف تقريباً وقد كتبه منذ زمن طويل يصل إلى ١٠ سنوات ولحنه الراحل حميد البصري.

 كانت فكرة «ثورة الزنج» انتصاراً لروح الثورة التي اندلعت في البصرة إبان الحكم العباسي، حيث حاكى العضب آمال البصريين الأصلاء الذين ثاروا دفاعاً عن كرامتهم وإذلالهم ضد ملاك الأرض آنذاك.

 البصرة لدى (علي العضب) أم الثورات، إذ هي صانعة الجمال ولهذا تراه وقد تغنى بسفنها وزوارقها في اغنيته الشهيرة «يابو بلم عشاري» التي شكلت مع أغانيه الأخر «ماجنك هذاك انت، والله شحلات العمر يا سمره، وكهرب يخلال عجيراوي، ومكبعة، وسنمضي» تاريخ الجمال والنضال ولم يجنِ من كل ذلك سوى السجن في نضاله ضد الطاغية، والإهمال في آخر حياته من قبل السلطة التي تذرعت بالدين غطاء.

عرض مقالات: